الغزالي

196

فضائح الباطنية

وحكى عن سليمان بن عبد الملك أنه تفكر يوما فقال : كيف تكون حالي وقد ترفهت في هذه الدنيا ؟ فأرسل إلى أبى حازم وقال : تبعث إلى بذلك الّذي تفطر عليه بالعشاء ، فأنفذ إليه شيئا من النخالة المقلية . قال : أبل هذا بالماء فأفطر به فهو طعامي ، فبكى سليمان وعمل ذلك في قلبه وصام ثلاثة أيام ما ذاق شيئا حتى فرغ بطنه من مأكولاته ، ثم أفطر في اليوم الثالث بتلك النخالة . فقضى أن قارب أهله « 1 » تلك الليلة فولد له عبد العزيز بن سليمان . ومن عبد العزيز عمر « 2 » فهو واحد زمانه ، وذلك من بركة تلك النية الصادقة . وحكى أنه قيل لعمر بن عبد العزيز : ما كان بدء توبتك ؟ قال : أردت ضرب غلام فقال لي : يا عمر ! اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة ؛ وحكى أن زاهدا كتب إلى عمر ابن عبد العزيز وقال في كتابه : اعتصم بالله يا عمر اعتصام الغريق بما ينجيه من الغرق ؛ وليكن دعاؤك دعاء المنقطع المشرف على الهلكة ، فإنك قد أصبحت عظيم الحاجة شديد الإشراف على المعاطب . وقد حكى عن هارون الرشيد أنه قال للفضيل : عظني ! قال : بلغني أن عمر بن عبد العزيز شكا إليه بعض عماله ، فكتب إليه : « يا أخي ! اذكر سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد بعد النعيم والظلال ، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ويقظان ، وإياك أن يتصرف بك من عند الله فتكون آخر العهد منقطع الرجاء » . فلما قرأ الكتاب قدم على عمر فقال له : ما أقدمك ؟ قال : « خلع قلبي كتابك ، لا وليت ولاية حتى ألقى الله تعالى » . وقد حكى عن إبراهيم بن عبد الله الخراساني أنه قال : حججت مع أبي سنة حج الرشيد ، فإذا نحن بالرشيد وهو واقف حاسر حاف على الحصباء ، وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكى ويقول : « يا رب ! أنت أنت ، وأنا أنا ؛ أنا العواد إلى الذنب وأنت العواد إلى المغفرة اغفر لي ! » فقال لي : يا بنى ! انظر إلى جبار الأرض كيف يتضرع إلى جبار السماء !

--> ( 1 ) قارب أهله : جامع زوجته . ( 2 ) هو غير عمر بن عبد العزيز بن مروان .