الغزالي
176
فضائح الباطنية
الْمُؤْمِنِينَ [ الأنعام : 27 ] ، ويقول : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ الأعراف : 53 ] ، فحينئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 6 ] . وهذا الإنسان من وجه آخر في دنياه حارث ، وعمله حرثه ودنياه محترثه ، ووقت الموت وقت حصاده ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا مزرعة الآخرة ، وإنما البذر هو العمر » فمن انقضى عليه نفس من أنفاسه ولم يعبد الله فيه بطاعة فهو مغبون لضياع ذلك النفس ، فإنه لا يعود قط ، ومثال الإنسان في عمره مثال رجل كان يبيع الثلج وقت الصيف ولم تكن له بضاعة سواه ، فكان ينادى ويقول : ارحموا من رأس ماله يذوب ، فرأس مال الإنسان عمره الّذي هو وقت طاعته ، وإنه ليذوب على الدوام ، فكلما زاد سنّه نقص بقية عمره ، فزيادته نقصانه على التحقيق ، ومن لم ينتهز في أنفاسه حتى يقتنص بها الطاعات كلها كان مغبونا ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو ملعون » . فكل من صرف عمره إلى دنياه فقد خاب سعيه وضاع عمله كما قال الله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ [ هود : 15 ] الآية ؛ ومن عمل لآخرته فهو الّذي أنجح سعيه كما قال تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 19 ] . الوظيفة الثانية : أنه مهما عرف أن زاد السفر إلى الآخرة التقوى فليعلم أن التقوى محلها ومنبعها القلب لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « التقوى هاهنا » « 1 » ، وأشار إلى صدره ، وينبغي أن يكون الاجتهاد في إصلاح القلب أولا ، إذ صلاح الجوارح تابع له ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن في بدن ابن آدم لبضعة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » « 2 » ، وإصلاح القلب شرطه تقدّم تطهيره عليه ،
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) رواه مسلم وأبو داود .