الغزالي
172
فضائح الباطنية
عليها ، والدليل إما نص من صاحب الشرع ، وإما النظر في المصلحة التي طلبت الإمامة لها ولم يرد النص من شرائط الإمامة في شيء إلا في النسب إذ قال : « إن الأئمة من قريش » ! « 1 » ، فأما ما عداه فإنما أخذ من الضرورة والحاجة الماسة في مقصود الإمامة إليها ، فهذا كما شرطنا : العقل ، والحرية ، وسلامة الحواس ، والهداية ، والنجدة ، والورع ، فإن هذه الأمور لو قدر عدمها لم ينتظم أمر الإمامة بحال من الأحوال . وليست رتبة الاجتهاد مما لا بدّ منه في الإمامة ضرورة ، بل الورع الداعي إلى مراجعة أهل العلم فيه كاف ، فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأىّ فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره ، أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه ؟ ! وإذا جاز للمجتهد أن يعوّل على قول واحد ، ويروى له حديثا فيحكم به ، إماما كان أو قاضيا ، فما المانع من أن يحكم بما يتفق عليه العلماء في كل واقعة ؟ وإن اختلف فيتبع فيه قول الأفضل الأعلم ، ولم لا يكون مكملا بأفضل أهل الزمان مقصود العلم ، كما كمّل بأقوى أهل الزمان مقصود الشوكة ، وبأدهى أهل الزمان وأكفاهم رأيا ونظرا مقصود الكفاية ، فلا تزال دولته محفوفة بملك من الملوك قوىّ يمدّه بشوكته ، وكاف من كفاة الزمان يتصدى لوزارته فيمده برأيه وهدايته ، وعالم مقدم في العلوم يفيض ما يلوح من قضايا الشرع في كل واقعة إلى حضرته ، هذا لو قال به قائل لكان مستمدا من قواطع الأدلة والبراهين التي يجوز استعمالها في مظانّ القطع واليقين ، فكيف في مواقع الظن والتخمين ! وأكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية ظنية يحكم فيها بموجب الرأي الأغلب . وما ذكرته مسلك واضح فيه ، ولكني لا أوثر الإعزاب عن الماضين ولا الانحراف عن جادة الأئمة المنقرضين ، فإن الانفراد بالرأي والانسلال عن موافقة الجماهير لا ينفك عن إثارة نفرة القلوب ، لكني أستميح مسلكا مقتبسا من كلام الأئمة المذكورين وأقول :
--> ( 1 ) متفق عليه .