سيف الدين الآمدي

58

غاية المرام في علم الكلام

من أن تكون أمرا سلبيا ومعنى عدميا كما قاله الفلاسفة والنجار من المعتزلة ؟ قلنا : لأن السلب عدم محض . وذلك لا تأثير له في التمييز والتخصيص ، إذ ما ليس بشيء لا يكون مستوعبا لما هو شيء ، ولأنه لا فرق إذ ذاك بين قولنا ، إنه لا مميز وبين قولنا : إن المميز عدم . ثم كيف يصح تفسير الإرادة بعدم الإكراه ، وهو منتقض طردا وعكسا ؟ أما الطرد فهو أن كثيرا من الأشياء قد تنتفي عنه الكراهية ، ولا موجب لكونه مريدا ، وذلك كما في الجماد ، بل الإنسان في غالب أحواله ، كما في حالة النوم والغفلة ، فإنه لا يوصف فيها بكونه كارها ولا مريدا . وأما العكس فهو أن الإنسان قد يوصف بالإرادة لما هو كاره له . كما في حالة شرب الدواء المسهل ونحوه . فإن قيل : تفسيرها بالعدم - وإن كان ممتنعا - فما المانع من أن تكون لا موجودة ولا معدومة ، كما يقوله مثبتو الأحوال ؟ فقد أشرنا إلى وجه إفساده فيما مضى ، فلا حاجة إلى إعادته ، فإن قيل : فلو سلم أنها صفة وجودية فلم يجب أن تكون قائمة بذات الرب - تعالى - وما المانع من أن تكون قائمة لا في ذاته كما هو مذهب البصريين من المعتزلة ؟ قلنا : لو لم تكن قائمة بذاته لم يخل إما أن تكون قائمة في محل أو لا في محل ، فإن كانت قائمة في محل فالمحل إما قديم أو حادث ، فإن كان حادثا فهو لا محالة مفتقر في وجوده إلى مخصص ، والمخصص إما نفس ما قام به من الإرادة . أو أخرى غيرها : لا جائز أن تكون نفسها ، وإلا أفضى إلى الدور من جهة توقف كل واحد منهما على صاحبه لا جائز أن تكون نفسها ، وإلا أفضى إلى الدور من جهة توقف كل واحد منها على صاحبه ولا جائز أن يقال : بإرادة أخرى غيرها ، وإلا أفضى إلى التسلسل ، من جهة أن الكلام في المخصص أن يقال : بإرادة أخرى غيرها ، وإلا أفضي إلى التسلسل ، من جهة