سيف الدين الآمدي
56
غاية المرام في علم الكلام
وإن شئت أن تلبس هذا المعنى صورة شرطية . قلت : لو لم يتصف بالإرادة ، لكان أنقص مما اتصف بها ، لما بيناه . والتالي باطل ، فالمقدم باطل . فإن قيل : هذا اللزوم متوقف على تحقيق الإرادة شاهدا ، وبم الرد على الجاحظ في إنكارها ؟ قلنا : كل عاقل يجد من نفسه العزم والإرادة والقصد ، والتفرقة الواقعة بين الفعل الواقع على وفق الإرادة والواقع على خلافها ، وذلك كما في حركة المرتعش والمختار ، كما يجد من نفسه أن له علما وقدرة ونحو ذلك ، ولا يمكن إسناد ذلك إلى العلم ، فإن التفرقة قد تحصل بين الشيئين وإن كان تعلق العلم بهما على السواء وهذا مما لا ينكره عاقل إلا عنادا . ثم ولو جاز إنكار ذلك شاهدا ، لجاز إنكار العلم والقدرة ، إذ لا فرق بينهما وبين الإرادة ، فيما يجده الإنسان في نفسه ، ويحسه في باطنه . فإن قيل : فلو سلم ذلك ثبوت صفة الإرادة شاهدا ، فما اعتمدتم عليه منتقض بالشم والذوق واللمس ، وغير ذلك من كمالات الموجودات شاهدا . كيف وأن ما تنسبونه له من الصفة ، إما أن يكون من جنس ما في الشاهد ، أوليس : فإن كان الأول فهو محال . وإلا للزم أن تكون مشاركة للإرادة شاهدا في جهة العرضية والإمكان . ويلزم أن يكون الباري محلا للأعراض وهو متعذر ، وإن كان الثاني فهو غير معقول ، وما ليس بمعقول كيف نسلم كونه كمالا للرب تعالى ، وأن عدمه نقصان وهل ذلك كله إلا خبط في عشواء ؟ قلنا : أما النقض فمندفع ، إذ المحصلون لم يمنعوا من إثباتها له ، لكن بشرط انتفاء الأسباب المقترنة بها في الشاهد ، الموجبة للحدث والتجسيم ، ونحو ذلك مما لا يجوز على اللّه تعالى . كما جوزوا عليه الإدراك والسمع والبصر ، لكن لم يتجاسر على إطلاقها في حق الباري تعالى لعدم ورود السمع بها . والحاصل أنه مهما ثبت من الكمالات شاهدا فلا مانع من القول بإثباتها غائبا مع هذا الاشتراط . وأما من فرق بين كمال وكمال من أهل الحق ، فلعله لم ير ما نفاه مما يتم إلا بأمور موجبة للحدث والافتقار كاتصالات ومماسات