سيف الدين الآمدي

35

غاية المرام في علم الكلام

أحد من معلوم إلى مجهول ؛ وذلك أن الأشياء ، إما كلية وإما شخصية ؛ على ما عرف بالقسمة الحاضرة ، والحد والبرهان ليس إلا للأمور الكلية دون الشخصية . وذلك لأن الحد والبرهان ليسا من الأمور الظنية التخمينية ، بل من اليقينية القطعية ، والأمر الشخصي ما له من الصفات ليست يقينية ، بل هي على التغير والتبدل على الدوام ، فلا يمكن أن يؤخذ منه ما هو في نفسه حقيقي يقيني ، وهذا بخلاف الأمور الكلية . فعلى هذا ما قد بان أن من أراد بإطلاق الحال على ما يقع به الاشتراك ، على النحو الذي أشرنا إليه ، كان محقا . لكن لا ينبغي أن يقال : إنها ليست موجودة ولا معدومة . بل الواجب أن يقال : إنها موجودة في الأذهان ، معدومة في الأعيان . وأما من أراد به غير ما ذكرناه كان زائغا كان عن نهج السداد حائدا عن مسلك الرشاد . وأما الكلام على ما به يكون الافتراق فهو أن يقال : ما به وقع الافتراق بين السواد والبياض إما أن يكون في مجرد التسمية ، كما في قولنا سوادية وبياضية ، وإما في مدلولهما : لا سبيل إلى الأول ، كما ذهب إليه نفاة الأحوال ، فإنا لو قطعنا النظر عن التسمية ، كما أشرنا إليه في جانب الاشتراك لقد كنا ندرك الافتراق لا محالة . فليس هو إذا إلا في قضية عقلية معنوية . وإن كان الافتراق بنفس مدلول لفظ السوادية والبياضية ، فأما أن يكون ذلك هو نفس الذات المتميزة أو حاصلا فيها أو خارجا عنها : فإن كان الأول ، فالتمايز بين الذوات ليس إلا لأنفسها لا لأمور زائدة عليها . وكذلك إن كان القسم الثاني أيضا . وأن القسم الثالث فكيف يصح القول بأن كل ما وقع به الافتراق بين ذاتين فهو زائد عليها خارج عنها ؟ والعقل صحيح يقضي بأن الافتراق بين بعض الذوات قد يكون بأمور لا يتم تعقل تلك الذوات إلا بعد تعقلها أولا . وذلك كما وقع به الافتراق بين الإنسان والفرس ، والجوهر والعرض ، وغير ذلك من الأنواع والأجناس المختلفة ، وإذ ذاك فلا يكون ما وقع به الافتراق خارجا ولا حالا زائدا . كيف وأنه إما أن تكون تلك