سيف الدين الآمدي

21

غاية المرام في علم الكلام

فإن كان ممكنا فليس خارجا على ما وقع به الفرض ، فبقى أن يكون واجبا بذاته لا محالة . فهو لا محالة واجب بذاته ، وإلا لا فتقر إلى غيره ، وذلك الغير إن كان خارجا عن الجملة المفروضة ففيه إبطال الفرض ، وإن كان داخلا فيها ففيه توقف كل واحد على صاحبه وتقدمه بالذات ، وكل واحد من القسمين متعذر ، فقد تنخل من الجملة أنه لا بدّ من القول بوجوب وجود موجود ، وجوده لذاته لا لغيره . فإنه قيل ما ذكرتموه فرع إفضاء النظر إلى العلم وجعله مدركا ، وبم الرد على من أنكر ذلك ولم يسوغ غير الحواس الظاهرة مدركا ؟ كيف وهو متعذر من جهة المطلوب ، ومن جهة المبدأ ، أما من جهة المطلوب فهو أنه إما أن يكون معلوما أو مجهولا ، فإن كان معلوما فلا حاجة إلى طلبه ، وإن كان مجهولا فتمتنع معرفته عند الظفر به . وأما من جهة المبدأ فهو أن كل مطلوب فلا بد له عند التعريف من مبادئ معلومة سابقة مناسبة ، وتلك المبادئ إما أن تكون بديهية أو مستندة إلى ما هو في نفسه بديهي ، قطعا للتسلسل الممتنع ، والبديهي لا معنى له إلا ما يصدق العقل به من غير توقف على أمر خارج عنه ، وهو ما لا حاصل له ، فإنه إما أن يكون حاصلا لنا في مبدأ النشوء أو بعده : لا جائز أن يقال بالأول ، فإنا كنا لا نشعر بها في مبدأ نشوئنا ، لو كانت حالة لما وقع عنها ، إذ هو متناقض . وإن قيل بالثاني : فإما أن يقال حصلت بالدليل أو بغير دليل ، فإن كانت بالدليل فليست بديهية ، وإن كانت من غير دليل فاختصاص حصولها بزمان دون زمان هو مما لا حاصل له . وأما قولكم إن ما وجد بعد العدم لا بد وأن يكون وجوده لغيره وإلا لما كان معدوما قبل . فلو كان وجوده لغيره لم يخل : إما أن يكون ذلك الغير دائما علة ، أو حدث كونه علة ، فإن كان دائما علة وجب ألا يتأخر وجود