سيف الدين الآمدي
118
غاية المرام في علم الكلام
لكون الباري - تعالى - عالما ، وبم الإنكار على الكعبي حيث ذهب إلى أن السمع والبصر ليسا بزائدين على نفس العلم لا شاهدا ولا غائبا ؟ بل المدرك المسموع والمبصر هو السامع المبصر بعلمه . لا بحاسته التي كان حصول هذا العلم بواسطتها ، وهي المعبر عنها بالسمع والبصر ، كيف وأنه لو كان المدرك مدركا بإدراك زائد على العلم ، لجاز أن يكون بين يدي الإنسان سليم البصر والسمع ، مرئيات وأصوات ، وهو لا يراها ولا يسمعها لجواز أن لا يخلق له إدراكها ، والأمر بخلافه ، ثم لو سلم أن الإدراك ليس هو نفس العلم فبم الإنكار على الجبائي في قوله : إن المدرك هو الحي الذي لا آفة به ولا نقص ، وأنه لا معنى له إلا هذا السلب ؟ ثم لو سلم أنه معنى إيجابي وأمر إثباتي ، لكنه مما يمتنع ثبوته في حق الباري - تعالى - من حيث إنه لا يخلو أن يكون قديما أو حادثا لا جائز أن يكون حادثا ، وإلا كان الباري محلا للحوادث ، وهو ممتنع . ولا جائز أن يكون قديما ، وإلا للزم أن يكون له مسموع ومبصر في العدم ، إذ السمع والبصر من غير مسموع ومبصر محال ، وذلك يفضي إلى القول بقدم العالم ، أو أن يكون ما فيه مسموعا ومبصرا في العدم ، وكلا الأمرين محال . وأيضا فإنه إما أن يشترط البنية المخصوصة للإدراك أوليس ، فإن اشترط فإثبات الإرادة للباري يوجب له البنية المخصوصة ، وهو متعذر ، والقول بعدم الاشتراط ممتنع أيضا ، إذ يلزم منه الالتباس بين الإدراكات ، وأن تكون حاسة واحدة مدركة بإدراكات مختلفة ، وهو ممتنع ، فإن البنية المخصوصة لا بد منها ، فالسمع : هو قوة مرئية في العصبة المنبسطة في السطح الباطن من صماخ الأذن ، من شأنها أن تدرك الصوت المحرك للهواء الراكد ، في مقعر صماخ الأذن ، عند وصوله إليه بسبب ما . والبصر : هو عبارة عن قوة مرتبة في عصبة مجوفة من شأنها أن تدرك ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح صور الأجسام بتوسط المشف .