سيف الدين الآمدي

114

غاية المرام في علم الكلام

الطرف الخامس في إثبات الإدراكات « 1 »

--> ( 1 ) والإدراك وإن أطلق بمعنى العلم بالشيء ؛ فإنه يصح أن يقال : أدرك فلان الشيء إذا علمه ، وبمعنى اللحوق ؛ إذ يقال : أدرك فلان العصر الفلاني ، إذا لحقه ، وبمعنى البلوغ لحالة من أحوال الكمال ، ومنه يقال : أدرك الغلام إذا بلغ سن كمال العقل ، وأدركت الثمار ، إذا زهت واستوت ، إلا أن المقصود فيما نحن فيه ؛ إنما هو الإدراك بمعنى السمع والبصر . وقد أجمع العقلاء ، على أن الواحد منا مدرك ، ثم اختلفوا : فمن قال بنفي الأعراض : قال : هو مدرك ، لا بإدراك . ومن أثبت الأعراض : قال هو مدرك ، بإدراك ، وإن الإدراك معنى ، غير الإدراك عرض قائم بجزء من المدرك عند المعتزلة ، وقائم بنفس المدرك عند من لا يرى تعدي حكم الصفة عن محلها . وعند هذا اختلف المتكلمون في الرب تعالى : فذهب أصحابنا : إلى أنه سميع بسمع ، بصير ببصر . وذهب المعتزلة : إلى أنه سميع بلا سمع ، بصير بلا بصر . وذهب ابن الجبائي : إلى أن معنى كونه سميعا ، بصيرا : أنه حي لا آفة به . وذهب الكعبي : إلى أن معناه : أنه عالم بالمسموعات ، والمبصرات . وقد اعتمد أصحابنا في المسألة على المسلك المشهور ، وهو أنهم قالوا : الباري تعالى حي ، والحي إذا قبل حكما لا يخلو عنه ، أو عن ضده . وهو كونه حيا موجب لقبول السمع ، والبصر ، فلم لم يتصف الباري - تعالى - بالسمع ، والبصر . لكان متصفا بضدهما وضد البصر ، والسمع ، صفة نقص ؛ فيمتنع اتصاف الباري - تعالى - به . وبيان أن الموجب لقبوله للسمع ، والبصر كونه حيا : ما نراه في الشاهد ؛ فإن الموجب لقبول الإنسان ، وغيره من الحيوان لذلك : إنما هو كونه حيا ؛ فإنه لو قدر أن الموجب لذلك غير الحياة من الأوصاف ؛ لكان منتفضا . وإذا كان الموجب لقبول ذلك : إنما هو كونه حيا : فالباري - تعالى - حي كما يأتي ؛ فيجب أن يكون متصفا بهما وإلا كان متصفا بأضدادهما : وهو ممتنع ، واعلم أن هذا المسلك : مما لا يقوى نظرا إلى ما حققناه في مسألة الكلام . والذي نعده هاهنا أن نقول : حاصل طريقة آئل إلى قياس التمثيل ؛ وهو الحكم على الغائب بمثل ما حكم به على الشاهد بجامع الحياة ، وهو إنما يصح أن لو ثبت أن الحكم في الأصل الممثل به لمعنى ، لا أنه ثابت لنفسه ، أو بخلق علم اللّه - تعالى - له في ذلك من غير افتقار إلى أمر خارج ، يكون مصححا له ، وموجبا . وإن سلم أنه ثبت لمعنى ؛ لكن لا بدّ من حصر أوصاف المحل ؛ وذلك لا يتم إلا بالبحث ، والسبر ؛ وهو غير مفيد لليقين كما سلف . ثم وإن أفاد علما للباحث ؛ فلا يكون حجة على غيره ؛ فإن بحث زيد