سيف الدين الآمدي
106
غاية المرام في علم الكلام
بواسطة أو بغير واسطة ، والسماع بهذا الاعتبار لا يستدعي صوتا ولا حرفا . وما يطلق عليه من الحروف والأصوات أنه كلام اللّه تعالى ، فليس معناه إلا أنه دال على ما في نفسه ، وذلك كما يقال : نادى الأمير في البلد ، وإن كان المنادي غيره . ويقال لمن أنشد شعر الحطيئة إنه متكلم بكلام الحطيئة وشعره . ومن ذلك سمي الوحي كلاما للّه تعالى ، حتى يقال : تكلم اللّه بالوحي ، والوحي كلامه . ولا ننكر أن القرآن القديم مكتوب ومحفوظ ومسموع ، ومتلو . لكن ليس معنى كونه مكتوبا أو محفوظا أنه حال في المصاحف أو الصدور ، بل معناه أنه قد حصل فيها ما هو دال عليه ، وهو مفهوم منه ومعلوم . وليس معنى كونه منزلا أنه متنقل من مكان إلى مكان ، فإن ذلك غير متصور على كلا المذهبين . بل معناه أن ما فهمه جبريل من كلام اللّه تعالى ، فوق سبع سماوات عند سدرة المنتهى ، ينزل بتفهيمه للأنبياء إلى بسيط الغبراء . وكذلك ليس معنى كونه مسموعا إلا ما ذكرناه فيما مضى . ومن حقق ما مهدناه وأحاط بما قررناه هان عليه التفصي عن كل ما أوردوه من الظواهر الظنية واعتمدوا من الآثار النبوية . ولعل معتمد المعطلة في إثبات الحروف والأصوات هو ما قاد الحشوية - لعدم فهمهم كلام النفس - إلى إثباتها صفة للذات ، فإنه لما لم يسعهم القول بالتعطيل ، ولم يقدروا على التأويل ، لهذا التهويل ، جمعوا بين الطريقتين ، وانتحلوا مذهبا ثالثا بين المذهبين ، ولم يعلموا ما في طي ذلك من السفاهة ، وفي ضمنه من الفهاهة ، لما فيه من الهرب إلى التجسيم ، خوف الوقوع في التعطيل ، إذ الحروف والأصوات إنما تتصور بمخارج وأدوات ، وتزاحم أجرام واصطكاكات ، وذلك في حق الباري محال كما سلف . فانظر إلى هاتين الطائفتين كيف التزم بعضهم التعطيل خوف التجسيم ، والتزم بعضهم التجسيم خوف التعطيل ، ولسان الحال ينشد على لسان