سيف الدين الآمدي

104

غاية المرام في علم الكلام

غيرها أصلا . على أن لا تنازع في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة ، والأصوات المقطعة ، معجزة له ، وأنه يسمى قرآنا وكلاما ، وأن ذلك ليس بقديم . وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات ، هل هو صفة قديمة أزلية أم لا ؟ وعلى التحقيق ، فالخبط إنما نشأ لأهل الضلال هاهنا ، من جهة اشتراك لفظ القرآن ، فإنه قد يطلق على المقروء . وقد يطلق على القراءة ، التي هي حروف وأصوات ودلالات وعبارات ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « ما أذن اللّه لشيء إذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن » أي القراءة ومنه قول الشاعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا معناه قراءة . وذلك كما قد تطلق العرب اسم الكلام على المعنى تارة ، وعلى العبارات أخرى . ولذلك يقولون كلام صحيح حسن ، إذا كان مستقيما ، وإن كانت العبارة غير مستقيمة ، بأن كانت ركيكة أو ملحونة أو مخبطة . وقد يطلقونه على العبارة ، عند كونها معبرة صحيحة ، وإن كان المعنى في نفسه فاسدا ، لا حاصل له . فلما وقع الاشتراك في الاسم ارتفع التوارد بالنفي والإثبات على محز واحد . فإن ما أثبتوه معجزة لا نثبت له القدم وما أثبتنا له القدم لا يثبتونه معجزة . وما أورده من الظواهر في معرض إثبات الحدث والأولية فظنية غير يقينية . كيف وإن قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] يحتمل أن يكون معناه الوعظ والتذكير الخارج عن القرآن ، وهو الأقرب ؛ فإن القرآن لم يحدث عندهم لعبا وضحكا ، بل إفحاما وإشداها . ثم القول بموجب الآية متجه لا محالة فإنها دلت على الضحك واللعب عند ورود الذكر الحادث ، وليس فيها دلالة على حدث كل ما يرد من الأذكار ، فلا يلزم أن يكون القرآن حادثا . ثم إن المراد إنما هو العبارات والدلالات دون المدلولات ، كما حققناه . وأما قوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ النساء : 47 ] فيصح أن يقال