سيف الدين الآمدي
102
غاية المرام في علم الكلام
الأزمان المتعاقبة ، والأحوال المختلفة ، وحقق ما قررناه في مسألتي العلم والإرادة ، وجد الأمر على ما ذكرناه ولم يخف عليه ما مهدناه . ولقد استروح بعض الأصحاب في تقرير هذا الكلام إلى طريق أو رده في معرض المناقضة والإلزام فقال كيف يصح استبعاد تعلق الأمر بمأمور معدوم ، وعندكم أنه لا يتناول المأمور به إلا قبل حدوثه ، ومهما وجد خرج عن أن يكون مأمورا به ، وهو أحد متعلقي الأمر ؟ فإذا لم يبعد تعلق الأمر بالفعل المعدوم لم يبعد تعلقه بالفاعل المعدوم . وأيضا فإن الأمة مجمعة على أننا في وقتنا هذا مأمورون وعندكم لا أمر ، إذ الأمر قد تقضى ومضى فإذا لم يبعد وجود موجود ولا أمر فلا يبعد وجود أمر بلا مأمور ، ولو لزم من وجود الأمر وجود المأمور ، للزم من وجود القدرة وجود المقدور ، وذلك يفضي إلى قدم المقدور إذ قد سلم قدم القدرة ، وذلك محال على كلا المذهبين . وهذا مما فيه نظر ، وذلك أن الأمر والنهى ، بالنسبة إلى المأمور والمنهي ، عند الخصم تكليف ، والتكليف يستدعي مكلفا به ، والمكلف به يجب أن يكون معلوما مفهوما ليصح قصده ، من أجل الإتيان به والانتهاء عنه ، إذ هو مقصود التكليف . فإذا الفهم شرط في التكليف ، ولهذا خرج من لا فهم له عن أن يكون داخلا في التكليف . كما في الجمادات ، وأنواع الحيوانات والصبيان ، والمجانين ، ونحو ذلك ، لعدم شرط التكليف في حقهم . وإذ ذاك فلا يلزم من تعلق الأمر بالمأمور به مع عدم الفهم تعلقه بالمأمور مع عدم اشتراك الفهم ، فإن تعلقه بالمأمور به ليس تعلق تكليف ولا كذلك تعلقه بالمأمور . وأما القول بأنه إذا جاز وجود مأمور ولا أمر جاز وجود أمر ولا مأمور . فهذا إنما يتحقق أن لو صح وجود مأمور ولا أمر ، والخصم ربما لا يسلم ذلك ، بل له أن يقول : كل مأمور فلا بد له من أمر يتعلق به ، لكن ذلك الأمر قد يكون وجوده تقديرا بالنسبة إليه ، كما يقدر وجود العقد في البيع