سيف الدين الآمدي

100

غاية المرام في علم الكلام

واقعا ، وأن لا يتأخر مقدور ما عن وجود القدرة ، ولا يخفى ما في طي ذلك من المحالات . وإن قالوا : طريقنا في ذلك ليس إلا قول الأنبياء الذين دلت المعجزات على صدقهم ، وقد قالوا : إن اللّه تعالى متكلم بأمر ونهي وغيره . قلنا : فلو لم يبعث اللّه رسولا ، فعندكم أنه يجب على العاقل معرفة اللّه تعالى معرفة تتعلق بالذات والصفات ، فكيف يعرف كونه متكلما ، وذلك لا يعرف إلا بالرسول ولا رسول ؟ وهذا مما يلزمكم فيه المناقضة في أحد أمرين : إما في القول بإيجاب المعرفة بالعقل ، وإما في القول بأن المعرفة مناطة بالرسول ، كيف وأن الرسول على الحقيقة ليس إلا المبلغ لكلام الغير ، كما حققناه سالفا ، فلو لم يكن للباري تعالى كلام غير كلام الرسول وهو مدلول كلام الرسول ، وكلام الرسول عبارة عنه ، لم يكن بذلك رسولا كما تقرر . وهذه المحالات كلها إنما لزمت من القول بأن المتكلم من فعل الكلام لا من قام به الكلام ، فقد بطل ما تخيلوه ، وانقطع دابر ما توهموه ، وظهر كون الباري متكلما بكلام قائم بذاته مختصا به كاختصاصه بباقي صفاته . ويلزم من ذلك أن يكون قديما أزليا وإلا كان الباري - تعالى - محلا للحوادث ، وقد أبطلناه . وما قيل من أنه يلزم منه الكذب فيما يتضمنه من الأخبار فحاصله يرجع إلى محض التشنيع ومجرد التهويل . وعند التحقيق تظهر مجانبته للذوق والتحصيل . ولئن سلكنا ما ذكره بعض الأصحاب من أن الكلام قضية واحدة . ولا يتصف بكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا إلا عند وجود المخاطب واستكماله شرائط الخطاب - زال الشغب واندفع الإشكال . ولئن توسعنا إلى ما سلكه الإمام أبو الحسن الأشعري - رحمه اللّه - من أنه متصف فيما لم يزل بكونه أمرا ونهيا وخبرا إلى غير ذلك فغير بعيد أن يكون في نفسه معنى واحدا ، والاختلاف فيه إنما يرجع إلى التعبيرات عنه بسبب تعلقه