حسن حسن زاده آملى
798
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
وقوله يومئذ يتفرّقون ؛ كل ذلك إشارة إلى انقلاب النفوس في جوهرها وصيرورتها من أفواج الأمم الصامتة وخروجها يوم النشور إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور على صورة أنواع الحيوانات من السباع والمؤذيات والبهائم والوحوش والشياطين . تذكرة توضيحية : انّ أجناس العوالم والنشئات ثلاثة : احديها النشأة الأولى وهي عالم الطبيعيات والماديات الحادثات والكائنات الفاسدات ، وثانيتها النشأة الوسطى وهي عالم الصور المقداريات والمحسوسات الصوريات بلا مادة ، وثالثتها النشأة الثالثة وهي عالم الصور العقليات والمثل المفارقات ؛ فالنشأة الأولى بائدة داثرة متبدّلة زائلة بخلاف الأخيرتين وخصوصا الثالثة وهي مأوى الكملّ ومرجع الكاملين ومعاد المقربين ، والانسان حقيقة مجتمعة بالقوة من هذه العوالم . والنشئات بحسب مشاعره الثلاثة : مشعر الحس ومبدأه الطبع ، ومشعر التخيل ومبدأه النفس ، ومشعر التعقل ومبدأه العقل . والنفس الانسانية في بداية تكونّها وأول خلقتها هي بالقوة في نشئاتها الثلاث لأنها كانت قبل وجودها في مكمن الامكان وكتم الخفاء كما قال تعالى : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ، وقول - تعالى - : « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » « 1 » ؛ وكل ما كان وجوده أولا بالقوة فلابد أن يكون متدرج الحصول في أصل الوجود وكمالاته ، ويكون مترقيا من الأدنى إلى الأعلى ومتدرجا من الأضعف إلى الأقوى فلها في كل من نشئاتها الثلاث مراتب وهي قوة واستعداد وكمال . مثال ذلك الكتابة فلها قوة كما للطفل ، واستعداد كما للأمّي المتعلم المحصّل لأسباب الكتابة وآلاتها ولكن لم يتعلّم بعد ، والكمال كما للقادر على الكتابة متى شاء من غير كسب جديد لأجل حصول ملكة راسخة في هذه الصناعة ؛ وهو قد يكون محجوبا عن الكتابة ممنوعا عنها لا لمانع داخلي بل لمانع وحجاب خارجي كما للعين الصحيحة إذا لم يبصر لأجل غطاء من خارج ، وقد لا يكون كذلك لزوال المانع والحجب الخارجية ، فالقوة في الاحساس كما للجنين عند كونه في الرحم ، والاستعداد كما للطفل عند تولده تام الآلات للحواس ، والكمال فيه كما للصبي حين ترعرعه . وكذا قياس مراتب التخيل ومراتب التعقل ويقال لها العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل الفعال ؛ فالأول قوة ، والثاني استعداد ،
--> ( 1 ) . الدهر : 1 .