حسن حسن زاده آملى
718
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
وخامسا أن شرافة النفس وقوتها ، وخسّة النفس وضعفها ، وصفائها بصداقتها وكدورتها بخلافها ، ونحوهما مما هو دخيل في عظمتها أو حقارتها ، في ذلك التصوير والتمثيل والمحاكاة والتمثل أصل رصين قوي ، فكلّما كانت أكثر صدقا وصفاء وأشدّ نورا وبهاء وأقوى وجودا كان التصوير والمحاكاة على وزانها كذلك . فانظر في الارتقاء إلى تلك الذروة العليا ، إلى تمثّل شديد القوى للخاتم - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - في قوله سبحانه : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى » « 1 » - أي استوى شديد القوى له - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - ، كقوله - سبحانه - : « فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » « 2 » ، واللام للملك الحقيقي نحو « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » « 3 » ، لا المجازي الاعتباري نحو الدار لزيد والجل للفرس مثلا . وهو أي شديد القوى المستوى له بالأفق الأعلى المشهود لرسول اللّه . ثم من ذلك الأفق الاعلى دنى من النبي فتدلّى وتعلّق به من العلو إلى السفل كما أن التدلي المشتق من الدلو يشعر بذلك فكان قاب قوسين أو أدنى بحسب قربه منه فأوحى إلى عبده ما أوحى . فكلّ من الاستواء ، والأفق الأعلى والدنو والتدلّي والقرب قاب قوسين أو أدنى والايحاء ، كانت متحققة في صقع نفس رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - ألا ترى أنه - سبحانه - بعد ذلك قال : « ما كذب الفؤاد ما رأى » « 4 » . فافهم وتدبر ترشد إن شاء اللّه تعالى . ثم من هذه الإشارات التي أهديناها إليك تبيّن لك أن الخاتم - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - حيث كان مزاجه اعدل الأمزجة وروحه القدسي روح الأرواح ، وخياله كساير قواه في كمال الاستواء وغاية الاعتدال ، كان حكايته ما يتلقى من الوحي بصورة العبارات على أحسن صورة ؛ إلا أنه - صلوات اللّه عليه - وإن كان لا ينطق عن الهوى مطلقا لكنّه بحسب تطوراته النفسانية القلبية تارة كان يتلقى الوحي انزالا وتنزيلا ويتكلّم به على هيئة وصورة عباراتها الشريفة معجزة وكان يتحدى بها والآن كما كان وكذلك في كل أوان وزمان إلى يوم القيامة ، وهي القرآن الكتبي بين الدفتين ولذا نعتقد أن ألفاظ القرآن وعباراته وحي .
--> ( 1 ) . النجم : 6 . ( 2 ) . مريم : 18 . ( 3 ) . الحشر : 25 . ( 4 ) . النجم : 11 .