حسن حسن زاده آملى
630
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
وقوله : « والأخلاق تكون للنفس من جهة هذه القوة » أي من جهة العقل العملي . ثم إن قوله : « بل النفس هو الشيء الذي له هذه القوى » - إلى قوله : « وبعضها يحتاج فيه إلى الآلات حاجة ما » ، دالّ على أن النفس جوهر واحد وقواه فروعه ومدرك الكليات والجزئيات كلها هو ذلك الجوهر فالنّفس هي تدرك الجزئيات كما أنها تدرك الكليات كما تقدم في العين التاسعة عشرة . ومراده من قوله النفس الانسانية ليس ولا واحد منها ، أن النفس ليست بمحدودة فيها اي في القوة النظرية والقوة العملية ، لا أنهما متمائزتان عن النفس تمايز عزلة وبينونة . وقوله فان له حاجة مّا إلى البدن ، دال على أن النفس في حدوثها جسمانية كما يأتي بيانها من الأسفار عن قريب . واعلم أن اطلاق العقل على القوتين بالاشتراك اللفظي لاختلافهما من حيث إن الأولى مبدء الانفعال ، والثانية مصدر الفعل ، أو بطريق التشابه الإسمي لاشتراكهما في كونهما قوى النفس . ولما انقسم الادراك إلى قسمين إدراك بأمور لا تتعلق بالعمل ، وادراك بآراء متعلقة بالعمل ، انقسم لا جرم العقل النظري إلى قوتين أو إلى وجهين قوة إدراك الأمور التي لا تتعلق بالعمل كالعلم بالسماء والأرض ومبني الحكمة النظرية على هذه القوة ؛ وقوة إدراك الآراء التي تتعلق بالعمل كالعلم بأن العدل حسن والظلم قبيح ومبنى الحكمة العملية على هذه القوة لأن مرجعهما العلم . وأما العقل العملي فإنما يصدر عنه الأفعال بحسب استنباطه ما يجب أن يفعل من رأي كلي مستنبط من مقدمات كلية . ولما كان ادراك الكلي واستنباطه من المقدمات الكلية أنما هو العقل النظري فهو مستعين في ذلك بالعقل الننظري إذا لعمل لا يتأتى بدون العلم مثلا لها مقدمة كلية وهي أن كل حسن ينبغي أن يؤتى به ، وقد استخرجها منه أن الصدق ينبغي أن يؤتى به لأن الصدق حسن وكل حسن ينبغي أن يؤتى به ينتج أن الصدق ينبغي أن يؤتى به ؛ وهذا رأي كلّي أدركها العقل النظري . ثم إنّ العقل العملي لمّا أراد أن يوقع صدقا جزئيا فهو أنما يفعل بواسطة استخراج ذلك الجزئي من الرأي الكلي كأنّه يقول هذا صدق وكل صدق ينبغي أن يؤتى به فهذا الصدق ينبغي أن يؤتى به ، وهذا رأي جزئي أدركها العقل النظري أيضا لكن العقل العملي أنما يفعل هذا الصّدق للعلم بذلك الجزئي فالعقل العملي ؛ بل النفس أنما يصدر منه الافعال لآراء جزئية تنبعث من آراء كلية عندها مستنبطة من مقدمات بديهية أو مشهورية أو تجربية . وهاتان القوتان للإنسان بمنزلة جناحين يطير بهما إلى أوج سعادته .