حسن حسن زاده آملى
628
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
قال الشيخ : « بل نقول إن للانسان تصرفا في أمور جزئية وتصرفا في أمور كلية ، والأمور الكلية أنما يكون فيها اعتقاد فقط ولو كان أيضا في عمل فان من اعتقد اعتقادا كليا أن البيت كيف ينبغي أن يبنى فإنه لا يصدر عن هذا الإعتقاد وحده فعل بيت مخصوص صدورا أوليا فإنّ الأفعال تتناول أمورا جزئية وتصدر عن آراء جزئية وذلك لأن الكلي من حيث هو كلّي ليس يختص بهذا دون ذلك ؛ فتكون للانسان إذن قوة تختص بالآراء الكلّية ، وقوة أخرى تختص بالرويّة في الأمور الجزئية فيما ينبغي أن يفعل ويترك ممّا ينفع ويضرّ وفيما هو جميل وقبيح وخير وشر ، يكون ذلك بضرب من القياس والتأمل صحيح أو سقيم ، غايته أنّه يوقع رأيا في أمر جزئي مستقبل من الأمور الممكنة لأنّ الواجبات والممتنعات لا يروّى فيها لتوجد أو تعدم ، وما مضى أيضا لا يروّى في ايجاده على أنه ماض . وإذا حكمت هذه القوة تتبع حكمها حركة القوّة الإجماعية إلى تحريك البدن ، كما كانت تتبع أحكام قوى أخرى في الحيوانات . وتكون هذه القوة استمدادها من القوة التي على الكليات ، فمن هناك تأخذ المقدمات الكبرى فيما تروّى وتنتج في الجزئيات . فالقوة الأولى للنفس الإنسانية قوة تنسب إلى النظر فيقال عقلي نظري ؛ وهذه الثانية قوة تنسب إلى العمل فيقال عقل عملّي ؛ وتلك للصدق والكذب ، وهذه للخير والشر في الجزئيات ؛ وتلك للواجب والممتنع والممكن ، وهذه للقبيح والجميل والمباح . ومبادي تلك من المقدمات الأولية ، ومبادي هذه من المشهورات والمقبولات والمظنونات والتجربيات الواهية التي تكون من المظنونات غير التجربيات الوثيقة . ولكل واحدة من هاتين القوتين رأي وظن ، فالرأي هو الإعتقاد المجزوم به ، والظن هو الاعتقاد المميل اليه مع تجويز الطرف الثاني . وليس كل من ظن فقد اعتقد كما ليس كل من أحسّ فقد عقل ، أو من تخيل فقد ظن أو اعتقد أو رأى فيكون في الإنسان حاكم حسيّ ، وحاكم في باب التخيّل وهمي ، وحاكم نظري ، وحاكم عملي . ويكون المبادي الباعثة لقوّته الإجماعية على تحريك الأعضاء وهم خيالّي ، وعقل عملي ، وشهوة وغضب . وتكون للحيوانات الأخرى ثلاثة من هذه . والعقل العملي محتاج في أفعاله كلها إلى البدن وإلى القوى البدنية . وأما العقل النظري فإنّ له حاجة ما إلى البدن ، وإلى قواه لكن لا دائما ومن كل وجه بل قد يستغنى بذاته . وليس ولا واحد منهما هو النفس الإنسانية بل النفس هو الشيء الذي له هذه القوى . وهو جوهر منفرد وله استعداد نحو أفعال بعضها لا يتم بالآت وبالإقبال عليها بالكلية ، وبعضها يحتاج فيه إلى الآلات حاجة ما ، وبعضها لا يحتاج إليها البتّة . فجوهر النفس