حسن حسن زاده آملى
425
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
إدراكه أشد ما يتصور ، وعلمه عيانا . فإن شئت ، فسمّ هذا العلم العياني رؤية فانّه لا مانع من اطلاق الرؤية بهذا المعنى عليه ؛ بل حقيقة الرؤية وهي الانكشاف التام الذي لا يتصوّر فوقه انكشاف وادراك هنا أتم وأقوى من الانكشاف بآلة البصر ؛ وقد عرفت أن لا مدخلية لخصوص آلة البصر في الرؤية . وكذا الحال في الحق الأوّل - تعالى شأنه - وصفاته . ثمّ اعلم أن المعلوم المدرك في أيّ عالم كان لا بد وأن يكون المدرك لذلك المعلوم بذاته أو بآلاته ووسائط دركه من سنخ ذلك العالم للزوم نحو من الاتصال ، أو نحو من الاتحاد بين المدرك والمدرك كما قرّر في الحكميات وفي الفلسفة الأولى ألا ترى أن المدركات المادية التي هي من عالم المادة لا تدرك إلا بآلات مادية كالحواس الخمس الظاهرة ، والمدركات الخيالية والمثالية التي هي من سنخ عالم المثال لا تدرك إلا بالحواس الباطنة التي هي أرفع من عالم المادة ، والمعقولات التي هي أرفع من العالمين لا تدرك إلّا بقوة ليست من عالم المادة ولا من سنخ عالم المثال . فإذا أريد ادراك العقول لا بد وأن يرتفع المدرك عن العالمين ويصير عقلا مجردا عن المادة والتقدّر ، أو يتنزّل العقول عن عالمها العقلي وتتمثل بصور متقدرة حتى تدرك بالمدارك المثالية كما في نزول الملائكة على الأنبياء عليهم السلام . فما لم يرتفع الدّاني أو لم يتنزّل العالي لا يمكن إدراك الداني للعالي ؛ فإذا سأل الداني في دنوّه بلسان حاله أو قاله رؤية العالي فجوابه العتاب على هذا السؤال ، والمنع من مسئوله ، والزجر على مأموله لسؤاله ما ليس له أن يسأل . ثم أعلم أن الإنسان من أول استقراره في الرحم جماد بالفعل وله قوة الإنسانية ، ولما كان ضعيفا غير قابل لقبول أثر العقل جعل الباري - تعالى - نفس الأم واسطة في فيضان نور العقل عليه حتى إذا استكمل بحيث يستعدّ لقبول فيض العقل بلا واسطة يتولد ، وليس له حينئذ من أثر العقل إلّا فعلية المدارك الحيوانية الظاهرة فيتدرج في الإستكمال بفيض العقل حتى يتحقق فيه طليعة ضعيفة من إشراق العقل فيدرك البديهيات الأولية الكلية التي من شأنها أن يكون مدركها العقل فيتدرج في الإستكمال ويتقوى تلك الطبيعة حتى يمكنه اكتساب الكليات فيتدرج في ذلك حتى يعاين مكتسباته فيتدرج حتى يتحقق بها وصار عالما علميا مضاهيا للعالم العيني ؛ بل عالما غيبيا محيطا بالعالم العيني وحينئذ يصير مطلقا عن قيوده خارجا من حجبه ، وحدوده وله استعداد شهود الحق الأول - تعالى - ، لكن اشتداده وترقيه إلى زمان البلوغ وهو زمان الاستبداد بالرأي والاستقلال في الاختيار ، وبعبارة أخرى إلى زمان يمكنه إدراك خيره وشرّه الأخرويين ، كان على الصراط المستقيم