حسن حسن زاده آملى

348

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

وان قلت : تفرّق الاتصال شرّ وهو امر عدمي ، والألم هو ادراك المنافي والإدراك أمر وجودي فكيف التوفيق ؟ قلت : سيأتي تحقيق الكلام في الجواب عن هذه الشبهة في هذه العين ، فانتظر . ثم قال : « ومن الشواهد الدالّة على أن النفس بذاتها فاعلة لأفاعيل الطبيعة من الجذب والدفع وغيرها ان الانسان إذا اشتدّت حاجته إلى الإحالة ، والهضم ، والدفع بسبب من الأسباب كما يكون للمريض عند بحرانه فإنه يجد نفسه مقصّرة عن سائر الأمور الإدراكية وما ذلك إلا لاشتغال النفس بهذه الأفعال واستغراقها فيها فلا جرم ينقطع عن سائر الأفاعيل ثم إذا فرغ عن ذلك رجعت النفس إلى مقامها الخاص الذي يقع فيه الأفاعيل الإدراكية » . أقول : اشتداد الحاجة إلى الحالة ، والهضم ، والدفع ، انما هو في الحقيقة لتصحيح المزاج وهو لحبّ البقاء . فبما نقلنا وبيّنا دريت أن النفس عالية في دنوّها ودانية في علوّها ؛ ودريت أيضا انها ثابتة سيّالة . وأما بيانه في الموضع الأول منه فقال : « ان النفس كما تدرك ذاتها بنفس ذاتها لا بصورة أخرى ، كذلك تدرك كثيرا من قواها المدركة والمحركة لا بصورة أخرى ذهنية ؛ وبيان ذلك من وجوه : الأول ، أن النفس تتصرف في بدنها الخاص الشخصي ويستعمل قواها الشخصية الموجودة في الأعيان فإنها تستعمل مثلا قوتها المتفكرة وتستخدمها في تفصيل الجزئيات ، وتركيبها ، وتركيب الحدود الوسطى ، وهي - لا محالة - صورة جزئية موجودة في مشهد النفس ، حاضرة عندها ، متمثلة بين يديها ، تقلبها كيف تشاء ، وتتصرف فيها بالتقديم والتأخير والجمع والتفريق . وقابل هذه التصريفات والتقليبات ليس إلا صورة شخصية عينية لا أمور كلية ذهنية مبهمة الوجود . وكذا الآلة التي بها يقع التصرف والترتيب أعني القوة المفكرة . وكذلك تدرك النفس قويها الخيالية ، والجسمية وتتصرف فيها وتحفظها ، وتحفظ بها الصور الموجودة فيها وتشاهدها بأعيانها لا بواسطة صور أخرى غيرها لئلا يلزم تضاعف الصور وذهابها إلى غير النهاية . فالنفس إذن تشاهد تلك الأمور مبصرة إياها ببصر ذاتها لا بباصرة أخرى » . أقول : المراد من تصرف النفس في بدنها الخاص الشخصي ، هو تصرفها الأول العام من حيث إن ذلك البدن مرتبتها النازلة الطبيعية أو غيره كأبدانها البرزخية على ما ستعلم