حسن حسن زاده آملى
315
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
وثانيهما من جهة تجدد الطبيعة في الوجود وتبدّلها في الكون وسيلانها كالماء الجاري شيئا فشيئا ودثورها آنا فآنا وحدوثها في كل حين بنحو آخر . فهاتان الجهتان برهانان على أن ليس للصورة الجرمية الهيولانية وجود علمي شعوري لا لذاتها ولا لغيرها إلا بواسطة صورة مأخوذة منها مطابقة إياها يكون لها حضور جمعي غير مادّي ولا مخلوط بالأعدام والظلمات والحجب والجهالات فان كلّ ما فرض منها علما أو عالما في أيّ آن مفروض كان غيره في سائر الآنات والأزمنة ، وكلّ ما فرض حيوة أو حيا في حين مفروض كان موتا أو فسادا في باقي الأحيان ، فلم يوجد منها علم مستمّر ولا حيوة باقية ولا إرادة ثابتة كحال أصل الوجود إذا ادقّق أحد النظر وحدّق البصر فإنه يجد أن نقصان الأجسام والماديات في الوجود هو بعينه نقصانها في العلم والحياة والإرادة فكما أن أصل طبيعة الوجود فيها تشوب بالعدم حتى صار وجودها ضربا من العدم لغاية النزول والخسة فكذلك صورها التي في الخارج كأنها صورة علمية قد نقصت وضعفت وتكدرت بدخول النقائص والقصورات في ذاتها فصارت علما كلا علم ، وحيوة كالموت ، وإرادة كالكراهة ، وقدرة هي بعينها العجز ، وسمعا هو الصمم ، وبصرا هو العمى ، وكلاما هو السكوت . فما ورد في الكلام الإلهي من قوله جل ذكره : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » « 1 » ، وقوله : « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » « 2 » ؛ وما حكمت به مكاشفات أئمة الكشف والوجدان وأصحاب الشهود والعرفان أن جميع ذرات الأكوان من الجماد والنبات فضلا عن الحيوان أحياء ناطقون ساجدون ومسبّحون بحمد ربّهم ، فهو إمّا لأجل أنّ الوجود وكمالاته من الصفات السبعة متلازمة بعضها لبعض غير منفكّة شيء منها عن صاحبه ذاتا وحيثيّة ، فكلّ ما وقع عليه اسم الوجود لا بد وأن يقع عليه أسماء هذه الأئمة السبعة من الصفات إلّا ان العرف العامّ أطلقوا اسم الوجود على بعض الأجسام دون اسم القدرة والعلم وغيرهما لاحتجابهم عن الاطلاع عليها . وإما لأن لكل نوع من الأجسام الطبيعية صورا أخرى مفارقة مدبرة لهذه الصورة الطبيعية فياضة عليها باذن اللّه مبدع الأمر والخلق بايراد الأمثال .
--> ( 1 ) . الإسراء : 44 . ( 2 ) . الرعد : 15 .