الفيض الكاشاني
1315
علم اليقين في أصول الدين
طاعاته الظاهرة ؛ فإنّ الاعتماد على التقوى - والتقوى في القلب ، وهو أغمض من أن يطّلع عليه صاحبه فكيف غيره ؟ ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنّه لا عفو عن عبد إلّا بسبب خفيّ يقتضي العفو ، ولا غضب إلّا بسبب باطن يقتضي البعد من اللّه ؛ ولولا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ، ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا ، ولو لم يكن عدلا لم يصحّ قوله - تعالى - : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ 41 / 46 ] ، ولا قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ 4 / 40 ] . وكلّ ذلك صحيح ، ف لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وسعيه هو الذي يرى ، و كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ، و فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، ولمّا غيّروا أنفسهم غيّر اللّه ما بهم ، تحقيقا لقوله - تعالى - : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ 13 / 11 ] . وهذا كلّه قد انكشف لأرباب القلوب انكشافا أوضح من المشاهدة بالبصر ، إذ البصر يمكن الغلط فيه ، إذ قد يرى البعيد قريبا ، والكبير صغيرا ، ومشاهدة القلب لا يمكن الغلط فيه ، وإنّما الشأن في انفتاح بصيرة القلب ، وإلّا فما يرى بعد الانفتاح فلا يتصوّر فيه الكذب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [ 53 / 11 ] . * * * الرتبة الثالثة رتبة الناجين : وأعني بالنجاة السلامة فقط ، دون السعادة والفوز ؛ وهم قوم لم يخدموا ليخلع عليهم ،