الفيض الكاشاني
1295
علم اليقين في أصول الدين
والكاسبين لأنفسهم شوقا إلى الكمالات العقليّة في الدنيا ، ثمّ التاركين الجهد في كسبها ؛ ففقدت منهم القوّة الهيولانيّة ، وحصلت لهم فعليّة الشيطنة والاعوجاج ، ورسخت في أوهامهم العقائد الباطلة ؛ دون الناقصين بحسب الغريزة عن إدراك المراتب العالية ، فإنّ شقاوة هؤلاء غير مؤلمة لعدم معرفتهم بالكمال ولا شوقهم إليه ، فهي بمنزلة الموت أو الزمانة في الأعضاء من غير شعور بمؤلم . وكلاهما مشتركان في عدم الانجبار في الآخرة ، إلّا أنّ البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء . فعذاب الناقصين بالذوات عظيم - من دون ألم - وإلى أمثالهم الإشارة بقوله - عزّ وجلّ - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ 2 / 6 - 7 ] . وعذاب الجاحدين والمنافقين أليم ، وإليهم الإشارة بقوله - تعالى - : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ 2 / 9 - 11 ] . وهذا الألم العقلي - الكائن عن المضادّات للحقّ - هو بإزاء اللذّة والراحة الكائنة عن مقابلاتها ، وكما أنّ تلك أجلّ من كلّ إحساس بأمر ملائم ، فكذلك هذه أشدّ من كلّ إحساس بمنافر حسّيّ ، من تفريق اتّصال بالنار ، أو تجميد بالزمهرير ، أو قطع بالمناشير ، أو سقطة من شاهق - أو نحو ذلك - أعاذنا اللّه واخواننا منه بمنّه . وأمّا الألم الحسّي : فهو لمن غلبت عليه الهيئات البدنيّة من المعاصي