الفيض الكاشاني

مقدمة 83

علم اليقين في أصول الدين

العامة من العلماء - سيما غير المختصّين - فلم يحظ من الإقبال المطلوب عندهم ، وصار عدم التفهّم لبياناته الجديدة مع ما ترسّخ عندهم من الاعتقاد على ما يفهمونه من ظواهر الكتاب والسنّة - فحسب - سببا لتوجيه الاتّهامات وأنواع الأذى إلى صدر المتألهين وتلاميذه . ولمّا كان المسيطر على الجوّ العلمي في هذه الأوان التفكير الأخباري ، عمد الفيض الكاشاني - قدّس سرّه - الذي يعدّ من أكبر تلامذة هذا الحكيم الإلهي ومقرّريه - بعد التأمّل في هذه المسائل إلى الالتزام بمسير آخر وإظهار علم الكلام في ثوب جديد ، خاليا عن إفراط الاعتماد على التفكير الفلسفي أو تفريط التحجّر الأخباريّ ، أو التحيّز إلى جانب وإغفال الثاني بالمرّة . فخطط - أولا - طريقة تنشأ عن الفكر القرآني والنظر الإسلامي إلى عالم الخارج ، فرأى أنّه إذا كان الأمر يبدأ من اللّه تعالى وإليه يعود ، فيلزم أن يكون السير العلميّ الكلاميّ أيضا يسير هذا المسير ؛ فأعرض عمّا هو مرسوم في الكتب الكلاميّة المتداولة من الابتداء بالمباحث العامة - كالبحث عن الوجود والعدم والعلة والمعلول وغيرها - بل ، بدأ بعد ذكر فصول في فضل العلم والعالم ببيان وجود ما هو الحقّ ومحقّق كل حقيقة : - اللّه تعالى - . ثم البحث عمّا يتعلق به من صفاته وأسمائه وأفعاله والملائكة والأرواح . ثم بعد تمام الكلام في الخالق فأول ما يهمّ الإنسان هو معرفة مكانه في هذا العالم ومسيره ، وأحقّ ما يمكن الاعتماد عليه من البيان في هذا المعنى ما بيّنه خالقه الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ ، فيلزم بعد تمام البحث عما يرتبط باللّه تعالى ، البحث عن كتبه ورسله ، وما يتبعه من البحث عن أوصياء الرسول - صلوات اللّه عليهم - فإنّ به كمال الرسالة وتمامها . ثم بمعونة ما يستفاد من الكتب الإلهيّة وكلمات حججه عليهم السّلام الفحص عن المطالب المعاديّة من الموت والقبر والبرزخ والقيامة والجنّة والنار . واقتبس ذلك من الآيات الكريمة : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [ 2 / 285 ] و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي