الفيض الكاشاني

325

علم اليقين في أصول الدين

فصل « 1 » [ 11 ] [ حكم وجود الآلام وأكل الحيوانات جثث الموتى ] ومن عناية اللّه - عزّ وجلّ - ولطفه أن جعل في جبلّة الحيوانات الآلام والأوجاع والجوع والعطش ، حثّا لنفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها ، إذ كانت الأجساد لا تقدر على جرّ منفعة ودفع مضرّة ، فلو لا ذلك لتهاونت النفوس بالأجساد ، وأسلمتها إلى المهالك قبل فناء أعمارها وتقارب آجالها ، ولمّا علم أنّه لا يدوم بقاؤها أبد الآبدين ، جعل لكلّ منها عمرا طبيعيّا أكثر ما يمكن ، ثمّ يجيئه الموت الطبيعي - شاء أم أبى - . وقد علم اللّه أنّه يموت كلّ يوم منها - في البرّ والبحر ، والسهل والجبل - عدد لا يحصيه إلّا هو ، فجعل بواجب حكمته جثث جيف موتاها غذاء لأحيائها ، ومادّة لبقائها ، لئلّا يضيع شيء ممّا خلق بلا نفع وفائدة ، فكان في هذا منفعة للأحياء ، ولم يكن فيه ضرر على الموتى ؛ وهذا أحد وجوه الحكمة في أكل بعض الحيوانات بعضا . ومن جملة تلك الوجوه : أنّه لو لم يكن الأحياء تأكل جثث الموتى لبقيت تلك الجثث واجتمع منها على مرّ الأيام والدهور ما كاد يمتلئ بها وجه الأرض وقعر البحار ، وتفسد المياه وريحها ؛ فتصير تلك سبب هلاك الأحياء . فالغرض الأصلي من ذلك إنّما هو جلب المنفعة ودفع المضرّة ؛ وإن

--> ( 1 ) - عين اليقين : 352 .