الفيض الكاشاني
323
علم اليقين في أصول الدين
وما في الجوف من شراسيف بطنها « 1 » ، وما في الرأس من عينها واذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا ؛ فتعالى اللّه الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلّتك الدلالة إلّا على أنّ فاطر النملة هو فاطر النحلة ، لدقيق تفصيل كل شيء ، وغامض اختلاف كلّ شيء « 2 » ، وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقويّ والضعيف - في خلقه - إلّا سواء . وكذلك السماء والهواء والرياح والماء ؛ فانظر إلى الشمس والقمر ، والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا الليل والنهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال « 3 » ، وتفرّق هذه اللغات والألسن المختلفات ؛ فالويل لمن جحد المقدّر وأنكر المدبّر . وزعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ، ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . وإن شئت قلت في الجرادة ؛ إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين « 4 » ، وجعل لها السمع الخفيّ ، وفتح لها الفم
--> ( 1 ) - الشراسيف : أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن . ( 2 ) - المصدر : كل حي . ( 3 ) - القلال : جمع قلّة . وهي رأس الجبل . ( 4 ) - أي مضيئتين ، كأنّ كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر .