الفيض الكاشاني
300
علم اليقين في أصول الدين
فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ 23 / 12 - 14 ] . فانظر إلى النطفة - وهي قطرة من الماء قذرة ، ولو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت - كيف أخرجها ربّها - ربّ الأرباب - من الصلب والترائب ؟ وكيف جمع بين الذكر والأنثى ، وألقى الإلف والمحبّة في قلبهما ؟ وكيف قادهما بسلسلة المحبّة والشهوة إلى الاجتماع ؟ وكيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع ؟ وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الأرحام ؟ ثمّ كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض « 1 » ، وغذّاه وربّاه ؟ وكيف جعل النطفة - وهي بيضاء مشرقة - علقة حمراء ؟ فشكّلها وأحسن تشكيلها وقدّرها فأحسن تقديرها ، وصوّرها فأحسن تصويرها ؟ ! وقسّم أجزائها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ، فأحكم العظام في أرجائها . وحسّن أشكال أعضائها ، وزيّن ظاهرها وباطنها ، ورتّب عروقها وجعلها مجرى لغذائها ، ليكون ذلك سببا لبقائها . وجعلها سميعا بصيرا عالما ناطقا . فخلق لها الظهر أساسا لبدنها ، حاويا لآلات غذائها ؛ والرأس جامعا لحواسّها . ففتح العين ورتّب طبقاتها ، وأحسن شكلها ولونها وهيئتها ، ثمّ
--> ( 1 ) - الغرض بيان العجائب الموجودة في تكوين الإنسان ، فلا يقدح فيه ذكر بعض المصطلحات الغير الصحيحة المعروفة قديما ، كتغذية الجنين بدم الحيض ؛ فمن الواضح الآن أنّ الجنين يشترك في التغذية مع أمّها ويتغذّى بغذائها من طريق جريان الدم الجارية إلى عروقه منها . وفي ذلك من لطائف الحكم والعجائب ما لا يحصى .