الفيض الكاشاني
136
علم اليقين في أصول الدين
الذي عجزت الملائكة - على قربهم من كرسيّ كرامته ، وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزّه ، وقربهم من غيب ملكوته - أن يعلموا من أمره إلّا ما أعلمهم ؛ وهم - من ملكوت القدس - بحيث هم في معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ 2 / 32 ] . فما ظنّك - أيّها السائل - بمن هو كذا ؟ سبحانه وبحمده ؛ لم يحدث فيمكن فيه التغيّر والانتقال ، ولم يتصرّف في ذاته بكرور الأحوال ، ولم يختلف عليه حقب الليالي والأيّام . الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من معبود كان قبله ؛ ولم تحط به الصفات ، فيكون بإدراكها إيّاه بالحدود متناهيا ، وما زال - لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - عن صفة المخلوقين متعاليا ؛ وانحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا ، وبالذات التي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا ؛ وفات - لعلوّه على أعلى الأشياء - مواقع وهم المتوهّمين ، وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته فهاهة « 1 » رويّات المتفكّرين . فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبها به ، وما زال - عند أهل المعرفة به - عن الأشباه والأضداد منزّها ؛ كذب العادلون باللّه إذ شبّهوه بمثل أصنامهم ، وحلّوه حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزّءوه بتقدير منتج من خواطر هممهم ، وقدّروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم . وكيف يكون من لا يقدّر قدره مقدّرا في رويّات الأوهام ؟ وقد
--> ( 1 ) - الفهاهة : العيّ .