الفيض الكاشاني

123

علم اليقين في أصول الدين

الأود والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج ؛ أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واستفاض عيونها ، وخدّ أوديتها ؛ فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قوّاه ؛ هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزّته ؛ لا يعجزه منها شيء فيطلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه ؛ خضعت الأشياء له وذلّت مستكينة لعظمته ، لا تسطيع الهرب من سلطانه إلى غيره ، فتمتنع من نفعه وضرّه ؛ ولا كفؤ له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه ؛ هو المفني لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ؛ وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها - من طيرها وبهائهما ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلّدة « 1 » أممها وأكياسها - على إحداث بعوضة ، ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها . وإنّه - سبحانه - يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه ؛ كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ؛ بلا وقت ولامكان ،

--> ( 1 ) - المتبلدة : الغبيّة .