الفيض الكاشاني
46
علم اليقين في أصول الدين
يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ونبات شعورنا وتشكّل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة ، فإنّا نعلم أنّها لم تأتلف بنفسها ، كما نعلم أنّ يد الكاتب لم تتحرّك بنفسها . ولكن لمّا لم يبق في الوجود مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلّا وهو شاهد عليه ومعرّف له ، عظم ظهوره « 1 » ؛ فانبهرت العقول ، ودهشت عن إدراكه . فإذن ما يقصر عن فهمه عقولنا ، له سببان : أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه - وذلك لا يخفى مثاله . والآخر ما يتناهى وضوحه ، وهذا كما أنّ الخفّاش يبصر بالليل ، ولا يبصر بالنهار - لا لخفاء النهار واستتاره ، ولكن لشدّة ظهوره ، فإنّ بصر الخفّاش ضعيف ، يبهره نور الشمس إذا أشرق ، فيكون قوّة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره ، فلا يرى شيئا إلّا إذا امتزج الظلام بالضوء وضعف ظهوره ؛ فكذلك عقولنا ضعيفة ، وجمال الحضرة الإلهيّة في نهاية الإشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتّى لا يشذّ « 2 » عن ظهوره ذرّة من ملكوت السماوات والأرض ، فصار
--> ( 1 ) - في الإحياء والمحجة : وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره . وفي نسخة الأصل أيضا كتب كذلك أولا ثم استدرك وكتب « عليه » و « له » فوق الخط . ( 2 ) - في الإحياء والمحجة : لم يشذ .