عبد الرزاق اللاهيجي

139

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

إلى طرفيه امر لازم له في حدّ ذاته فكما استحال اقتضاؤه الوجود في الزمان الأول استحال اقتضاؤه إياه في الزمان الثاني وكما أن اتّصافه بالوجود في زمان الحدوث مستند إلى المؤثر كذلك اتصافه به في الزمان الثاني والأول هو اتصافه بأصل الوجود والثاني هو اتصافه ببقاء الوجود فهو في وجوده ابتداء وفي استمراره محتاج إلى المؤثر الّذي يفيده الوجود ويديمه له وحاجته إليه في حال دوامه وبقائه كحاجته إليه في ابتداء وجوده فلو فرض انقطاع فيضان نور الوجود من الصانع تعالى على العالم في آن لم يبق موجودا ويعينك على تعقل ذلك اعتبارك بما استضاء بمقابلة الشمس فإنه كلما حجب عنها زال ضوءه وما تمسكوا به من مثال البناء فهو مهدوم بان الكلام في العلة الموجدة وليس البنّاء موجدا للبناء في الحقيقة بل انما هو بحركة يده مثلا علة لحركات الآلات من الأخشاب واللبنات وتلك علل معدّة لأوضاع مخصوصة بين تلك الآلات وتلك الأوضاع مستندة إلى علل فاعلية هي غير تلك الحركات المستندة إلى حركة البنّاء فلا يضرّها عدم شيء منها انتهى كلامه الشريف وأقول لمقرر ان يقرر الاعتراض بان الامكان لا يقتضي الا حاجة الممكن إلى علة ترجح له أحد طرفيه على الاخر فإذا حصل بترجيح تلك العلة له بوجود مثلا فلم لا يجوز ان يبقى ذلك الوجود الحاصل له بتلك العلة بعد الحصول بنفسه من غير حاجة إلى تلك العلة الا في وقت الحصول وكون الامكان من لوازم ماهية الممكن لا يقتضي سوى انا إذا نظرنا إلى ماهيّة الممكن في اىّ وقت كان وجدناها متساوية النسبة إلى الطرفين محتاجة في ترجح أحدهما إلى العلة والممكن المفروض باقيا بعد العلة بنفسه كذلك إذ يصدق عليه ان ماهية محتاجة في ترجح الوجود الحاصل له إلى علة في الجملة وهذا القدر لا يقتضي بقاء علتها معها الّا إذا كان الوجود الحاصل له في الزمان الثاني غير الوجود الحاصل في الزمان الأول فاما إذا كان عينه فلم لا يجوز ان يكون قد بقي بنفسه بعد ان يرجح بعلته ولم يجب ان يبقى علته أيضا نظير ذلك مثل السخونة الحادثة من النار في الماء الباقية بعدها ولو قليلا لا مثل الضوء الحادث من المضيء في المستضيء فالشبهة هي انه لم يجب ان يكون مثل الضوء ولم لا يجوز ان يكون مثل السخونة وحينئذ فلا تندفع بالجواب المذكور وقوله فكما استحال اقتضاؤه الوجود في الزمان الأول استحال اقتضاؤه إياه في الزمان الثاني وكما أن اتصافه بالوجود في الزمان الأول مستند إلى المؤثر كذلك اتصافه به في الزمان الثاني قلنا لا يلزم مما ذكرنا ان يكون الممكن مقتضيا للوجود في الزمان الثاني ولا ان يكون استناده إلى المؤثر في الزمان الثاني غير استناده إلى المؤثّر في الزمان الأول وانما يلزم لو كان الوجود الثاني غير الوجود الأول وهو ممنوع كما عرفت والّذي يقلع مادة الشبهة هو ان يفهم ما هو المراد من المرجح ويفهم معنى العلة المفيدة ويفرق بين العلة المفيدة وبين العلة المعدّة فاعلم أن المرجح قد يطلق على الداعي إلى الفعل أو الترك المتساويين بالنسبة إلى الفاعل بالاختيار وليس هو مفيد الوجود الفعل بل المفيد انما هو الفاعل المختار والمراد بالمرجح فيما نحن بصدده ليس هذا المعنى بل المراد منه ما يفيد الوجود لماهية الممكن ويقتضيه لها فان تساوى طرفي الوجود والعدم بالنسبة إلى ماهية الممكن ليس كتساوى الفعل والترك بالنسبة إلى الفاعل القادر فان الفاعل القادر هو الّذي يفيد وجود الفعل والمرجح هو الّذي يدعوه إلى هذه الإفادة ويرجحها في نظره وانما يحتاج القادر إليه لكون الفعل والترك اللذين كلاهما مقدوران له ومن شانه ان يحصل كل منهما منه متساويين بالنظر إليه وليس الوجود والعدم بالقياس إلى ماهية