الشيخ السبحاني
45
الشفاعة في الكتاب والسنة
رجائهم لشفاعة أنبيائهم وآبائهم في حطّ ذنوبهم وغفران آثامهم ، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ، ويرتكبون الذنوب تعويلًا على ذلك الرجاء . وفي هذا الموقف يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة الباعثة على الجرأة : « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » ( البقرة / 255 ) . ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المحرّرة من كل قيدٍ : « وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى » ( الأنبياء / 28 ) . وحاصل الآيتين أنّ أصل الشفاعة التي يدّعيها اليهود ويلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابتٌ في الشريعة السماوية ، غير أنّ لها شروطاً أهمّها إذنه سبحانه للشافع ورضاؤُه للمشفوع له . ولعلّ أوضح دليل على عمومية الشفاعة في الإسلام ما اتّفق على نقله المحدِّثون من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ادّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي » « 1 » . فكان دافع المعتزلة بتخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة هو الموقف الذي اتخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب في أبحاثهم الكلامية . فإنّهم قالوا بخلود أهل العصيان في النار . ومن الواضح أنّ من يتخذ مثل هذا الموقف لا يصح له أن يعمّم آيات الشفاعة إلى العصاة ، وذلك لأنّ التخليد في النار لا يجتمع مع التخلص عنها بالشفاعة . قال الشيخ المفيد : اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في
--> ( 1 ) سنن ابن ماجة : 2 / 1441 وغيرها ، والحديث ممّا اتّفق على نقله المحدثون .