ابن قيم الجوزية
93
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
والغايات العظيمة قال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) [ البقرة ] بيّن سبحانه أن ما أمرهم به ، يعلم ما فيه من المصلحة والمنفعة لهم التي اقتضت أن يختاره ويأمرهم به ، وهم قد يكرهونه إما لعدم العلم ، وإما لنفور الطبع . فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه ، وذلك علمه بما في اختياره من خلقه بما لا يعلمونه ، فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر اللّه ، وإن شقّ على النفوس ، وعلى الرضا بقضائه ، وإن كرهته النفوس . وفي حديث الاستخارة : « اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاقدره لي ، ويسّره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضّني به » « 1 » . ولما كان العبد يحتاج ، في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده ، إلى علم ما فيه من المصلحة وقدره عليه وتيسره له ، وليس له من نفسه شيء من ذلك ، بل علمه ممن علّم الإنسان ما لم يعلم ، وقدرته منه ، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز ، وتيسيره منه ، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسّر عليه بعد إقداره ، أرشده النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى محض العبودية ، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها ، وطلب
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1162 ) عن جابر بن عبد اللّه .