ابن قيم الجوزية
90
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الآية من قال : إن الاختيار هاهنا هو الإرادة كما يقوله المتكلمون أنه سبحانه فاعل بالاختيار ، فإن هذا الاصطلاح حادث منهم ، لا يحمل عليه كلام اللّه ، بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة ، وهو اختيار الشيء على غيره ، وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره ، وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة . قال في الصحاح : الخيرة الاسم من قولك : خار اللّه لك في هذا الأمر ، والخيرة أيضا ، يقول : محمد خيرة اللّه من خلقه ، وخيرة اللّه أيضا بالتسكين ، والاختيار : الاصطفاء ، وكذلك التخيير والاستخارة طلب الخيرة ، يقال : استخر اللّه يخر لك . وخيّرته بين الشيئين : فوّضت إليه الاختيار ، انتهى . فهذا هو الاختيار في اللغة ، وهو أخص مما اصطلح عليه أهل الكلام ، ومن هذا قوله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ( 36 ) [ الأحزاب ] وقوله تعالى وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا ( 155 ) [ الأعراف ] أي : اختار منهم ، وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية ، يقولون في الكفر والمعاصي : هل هي واقعة باختيار اللّه أم بغير اختياره ، فإن قلتم باختياره ، فكل مختار مرضي مصطفى محبوب ، فتكون مرضية محبوبة له ، وإن قلتم : بغير اختياره ، لم يكن بمشيئته واختياره ، وجوابه أن يقال : ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين ، وهو المشيئة والإرادة ، أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب ؟ وإن أردتم بالاختيار الأول ، فهي واقعة باختياره ، بهذا الاعتبار ، لكن لا يجوز أن يطلق ذلك عليها ، لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة ، بل يقال : واقعة بمشيئته وقدرته . وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب ، فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى ، وإن كانت واقعة بمشيئته ، فإن قيل : فهل تقولون إنها واقعة بإرادته ، أم لا تطلقون ذلك ؟ .