ابن قيم الجوزية

80

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

ولا يثبت . والمخاصمون في القدر نوعان : أحدهما : من يبطل أمر اللّه ونهيه بقضائه وقدره ، كالذين قالوا : لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا . والثاني : من ينكر قضاءه وقدره السابق . والطائفتان خصماء اللّه . قال . عوف : من كذّب بالقدر فقد كذب بالإسلام ، إن اللّه تبارك وتعالى قدّر أقدارا ، وخلق الخلق بقدر ، وقسم الآجال بقدر ، وقسم الأرزاق بقدر ، وقسم البلاء بقدر ، وقسم العافية بقدر ، وأمر ونهى . وقال الإمام أحمد : القدر قدرة اللّه . واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا ، وقال : هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين ، وهو كما قال أبو الوفاء . فإنّ إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها ، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها ، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم ، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء اللّه . وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ( 28 ) [ فاطر ] قال : الذين يقولون : إن اللّه على كل شيء قدير ، وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات ، فإنّ أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها ، ولو كانوا يقرون بها ؛ فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها ، ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها ، بل يصرّحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به . ومن لا يقر بأن اللّه سبحانه كل يوم هو في شأن ، يفعل ما يشاء ، لا يقر بأن اللّه على كل شيء قدير ، ومن لا يقرّ بأنّ قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف يشاء ، وأنه سبحانه مقلب