ابن قيم الجوزية

74

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

ذلك على قريش أو على أهل مكة ، وقالوا : يشتم آلهتنا ! فجاء ابن الزبعرى فقال : ما لكم ؟ قالوا : يشتم آلهتنا ! قال : وما قال ؟ قالوا : قال إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ( 98 ) [ الأنبياء ] قال : ادعوه لي ، فلما دعي النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : يا محمد ! هذا شيء لآلهتنا خاصة ، أم لكل من عبد من دون اللّه ؟ فقال : لا بل لكل من عبد من دون اللّه ، قال : فقال ابن الزبعرى : خصمت ورب هذه البنية ، يعني الكعبة ، ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون ، وأن عيسى عبد صالح ، وأن عزيرا عبد صالح ، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة ، وهذه النصارى تعبد عيسى ، وهذه اليهود تعبد عزيرا ، قال : فضج أهل مكة ، فأنزل اللّه عز وجل إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ( 101 ) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ( 102 ) [ الأنبياء ] قال ونزلت وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) [ الزخرف ] قال : هو الضجيج . وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعرى لا يرد على الآية ، فإنه سبحانه قال : إنكم وما تعبدون من دون اللّه ، ولم يقل : ومن تعبدون ، وما لما لا يعقل ، فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير ، وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل . وأيضا فإن السورة مكية ، والخطاب فيها لعبّاد الأصنام ، فإنه قال : إنكم وما تعبدون ، فلفظه « إنكم » ولفظه « ما » تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب ، لا يخفى عليه ذلك ، ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والمعلوم المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته ، أي إن كان كونه معبودا ، يوجب أن يكون حصب جهنم ، فهذا المعنى يعنيه موجود في الملائكة وعزير والمسيح ، فأجيب بالفارق وذلك من وجوه . أحدها : أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من اللّه الحسنى ، فهم سعداء ، لم يفعلوا ما يستوجبون به النار ، فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع