ابن قيم الجوزية
70
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
بالسبب ، أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب ، وكلما زاد اجتهادا في تحصيل السبب ، كان حصول المقدور أدنى إليه ؛ وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه ، فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه ، وإذا قدر له أن يرزق الولد ، لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء ، وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغلّ كذا وكذا ، لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع ، وإذا قدر الشبع والري ، فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس ، وهذا شأن أمور المعاش والمعاد . فمن عطل العمل اتكالا على القدر السابق ، فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له . وقد فطر اللّه سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية ، بل فطر اللّه على ذلك سائر الحيوانات ، فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم ، فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة ، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد ، وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة ، فهو مهيأ له ميسر له . فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها ، كان أشد اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه ، وقد فقه هذا كل الفقه من قال : ما كنت أشد اجتهادا مني الآن . فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم ، لا يشوبه نكد ولا تعب ، كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ، ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان : لأنا بأوّل هذا الأمر أشدّ فرحا مني