ابن قيم الجوزية
687
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الباب الثامن والعشرون في أحكام الرضا بالقضاء ، واختلاف الناس في ذلك ، وتحقيق القول فيه هذا الباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر ، وقد تنازع الناس فيه ، هل هو واجب ، أو مستحب ، على قولين : وهما وجهان لأصحاب أحمد ، فمنهم من أوجبه ، واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا باللّه ربا ، وذلك واجب ، واحتج بأثر إسرائيلي : [ من لم يرض بقضائي ، ولم يصبر على بلائي ، فليتّخذ له ربا سواي ] ومنهم من قال : هو مستحبّ ، غير واجب ، فإن الإيجاب يستلزم دليلا شرعيا ، ولا دليل يدل على الوجوب ، وهذا القول أرجح ، فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات ، وقد غلط في هذا الأصل طائفتان أقبح غلط . فقالت القدرية النفاة : الرضا بالقضاء طاعة وقربة ، والرضا بالمعاصي لا يجوز ، فليست بقضائه وقدره . وقالت غلاة الجبرية الذين طووا بساط الأمر والنهي : المعاصي بقضاء اللّه وقدره ، والرضا بالقضاء قربة وطاعة ، فنحن نرضى بها ، ولا نسخطها . واختلفت طرق أهل الإثبات في جواب الطائفتين .