ابن قيم الجوزية

660

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الوجه التاسع والثلاثون : قوله في مناظرة الأشعري للجبائي في الإخوة الثلاثة ، الذين مات أحدهم صغيرا ، وبلغ الآخر كافرا ، والثالث مسلما : إنها مناظرة كافية في إبطال الحكمة والتعليل ورعاية الأصلح . فلعمر اللّه ! إنها مبطلة لطريقة أهل البدع من المعتزلة والقدرية الذين يوجبون على ربّهم مراعاة الأصلح لكل عبد ، وهو الأصلح عندهم ، فيشرعون له شريعة بعقولهم ، ويحجرون عليه ويحرمون عليه أن يخرج عنها ، ويوجبون عليه القيام بها ، وكذلك كانوا من أحمق الناس وأعظمهم تشبيها للخالق بالمخلوق في أفعاله ، وأعظمهم تعطيلا عن صفات كماله ، فنزهوه عن صفات الكمال ، وشبهوه بخلقه في الأفعال ، وأدخلوه تحت الشريعة الموضوعة بآراء الرجال ، وسمّوا ذلك عدلا وتوحيدا بالزور والبهتان ، وتلك تسمية ما أنزل اللّه بها من سلطان . فالعدل قيامه بالقسط في أفعاله والتوحيد وإثبات صفات كماله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ( 19 ) [ آل عمران ] فهذا العدل والتوحيد الذي جاء به المرسلون ، وذلك التوحيد والعدل الذي جاء به المعطلون . والمقصود : أن هذه المناظرة وإن أبطلت قول هؤلاء ، وزلزلت قواعدهم ، فإنها لا تبطل حكمة اللّه التي اختص بها دون خلقه ، وطوى بساط الإحاطة بها عنهم ، ولم يطلعهم منها إلا على ما نسبته إلى ما خفي عنهم كقطرة من بحار الدنيا ، فكم للّه سبحانه من حكمة في ذلك الذي أخرمه صغيرا ، وحكمة في الذي مدّ له في العمر حتى بلغ ، وأسلم ، وحكمة في الذي أبقاه حتى بلغ وكفر ، ولو كان كلّ من علم أنه إذا بلغ ، يكفر يخترمه صغيرا ، لتعطّل الجهاد والعبودية التي يحبها اللّه ويرضاها ، ولم يكن هناك معارض ، وكان الناس أمّة واحدة ، ولم تظهر آياته وعجائبه في الأمم ، ووقائعه وأيامه في أعدائه ،