ابن قيم الجوزية
657
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
له ، وأذى أعدائه لهم ، وتميز الصادق من الكاذب ، ومن يريده ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف ، وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب ، ولا شيء أبرّ عند الحبيب من بذل محبة نفسه في مرضاته ، ومجاهدة عدوه ، فكم للّه في هذا التسليط من نعمة ورحمة وحكمة ، وإذا شئت أن تعلم ذلك ، فتأمل الآيات من أواخر آل عمران ، من قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ( 137 ) [ آل عمران ] إلى قوله : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) [ آل عمران ] إلى قوله : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ( 179 ) [ آل عمران ] . فكان هذا التمييز من بعض حكم ذلك التسليط ، ولولا ذلك التسليط ، لم تظهر فضيلة الصبر والعفو والحكم وكظم الغيظ ، ولا حلاوة النصر والظفر والقهر ، فإن الأشياء يظهر حسنها بأضدادها ، ولولا ذلك التسليط ، لم تستوجب الأعداء المحق والإهانة والكبت ، فاستخرج ذلك التسليط ، من القوة إلى الفعل ، ما عند أوليائه ، فاستحقوا كرامتهم عليه ، وما عند أعدائه ، فاستحقوا عقوبتهم عليه ، فكان هذا التسليط مما أظهر حكمته وعزته ورحمته ونعمته في الفريقين ، وهو العزيز الحكيم . الوجه الثامن والثلاثون : قوله : وأيّ حكمة في تكليف الثقلين ، وتعريضهم بذلك العقوبة وأنواع المشاق ؟ . فاعلم أنه لولا التكليف ، لكان خلق الإنسان عبثا وسدى ، واللّه يتعالى عن ذلك ، وقد نزه نفسه عنه ، كما نزّه نفسه عن العيوب والنقائص ، قال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) [ المؤمنون ] وقال : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) [ القيامة ] . قال الشافعي : لا يؤمر ولا ينهى .