ابن قيم الجوزية

654

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وقال : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ( 24 ) [ ص ] وقال : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ( 116 ) [ الأنعام ] وبعث النار من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون ، وواحد إلى الجنة ؟ وكيف نشأ هذا عن الرحمة الغالبة ، وعن الحكمة البالغة ، وهلّا كان الأمر بالضد من ذلك ؟ . قيل : هذا السؤال من أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه المسألة ، وأن الأمر يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شيء ، وسبقت الغضب وغلبته ، وعلى هذا فاندفع السؤال بالكلية ثم نقول : المادة الأرضية اقتضت حصول التفاوت في النوع الإنساني ، كما في المسند والترمذي عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم من قبضة ، قبضها من جميع الأرض ، فكان منهم الخبيث والطيب والسهل والحزن وغير ذلك » « 1 » . فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم ، ثم اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب والحب والبغض ولوازمها ، وابتلاه بعدوّه الذي لا يألوه خبالا « 2 » ولا يغفل عنه ، ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا ، وبالهوى الذي أمر بمخالفته ، هذا على ضعفه وحاجته ، وزين له حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ، وأمره بترك قضاء أوطاره « 3 » وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة ، إلى دار أخرى غايته ، إنما تحصل فيها بعد طيّ الدنيا ، والذهاب بها . وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا يثبت على هذا الابتلاء أحد ، وأن يذهب كلهم مع

--> ( 1 ) مر سابقا . ( 2 ) يألو : يستطيع . خبالا : هلاكا ، عناء ، نقصانا . ( 3 ) أوطار : حاجات ، جمع حاجة ، ومفرد أوطار : وطر .