ابن قيم الجوزية

644

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

راجعة إلى الرب تعالى ، فيمكنهم سلوك هذه الطريق ، لكن يقال : الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه ، وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك ، وإنما يعذبون لغاية محدودة « 1 » إذا حصلت ، حصل المقصود من عذابهم ، وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى ، وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم ، وقد أزالها طول العذاب ، فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة ، وهذا القبول لازم لخلقتهم ، وبه أقروا بصانعهم وفاطرهم ، وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه ، فإذا زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل ، بقي أصل القبول بلا معارض . وأما قوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ( 28 ) [ الأنعام ] فهذا قبل مثابرتهم للعذاب ، قال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) [ الأنعام ] فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم ، لم تزلها النار ، فلو ردّوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ، ولكن أين أخبر سبحانه أنه لو ردّهم بعد العذاب الطويل السرمدي ، لعادوا لما نهوا عنه ، وسرّ المسألة أن الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها ، كما عمل الطارئ عليها عمله ، وهذه الفطرة عامة لجميع بني آدم ، كما في الصحيحين « 2 » من حديث أبي هريرة ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة » وفي لفظ : « على هذه الملة » .

--> ( 1 ) تحرفت في المطبوع إلى : « محمودة » . ( 2 ) البخاري ( 1358 ) ، ومسلم ( 2658 ) .