ابن قيم الجوزية
635
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ( 6 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 ) [ البينة ] وقوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) [ آل عمران ] . وقد يقرن بينهما في الذّكر ، ويقضي لهم بالخلود كقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) [ الجن ] وقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها ( 14 ) [ النساء ] . ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية ، بل الخلود هو المكث الطويل ، كقولهم : قيد مخلّد ، وتأبيد كلّ شيء بحسبه ، فقد يكون التأبيد لمدة الحياة ، وقد يكون لمدة الدنيا ، قال تعالى عن اليهود : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ( 95 ) [ البقرة ] ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ( 77 ) [ الزخرف ] وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله : إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) [ ص ] وقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) [ هود ] وقوله : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 ) [ الانشقاق ] أي : مقطوع . ومن قال : لا يمن به عليهم ، فقد أخطأ أقبح الخطأ ، ولم يجئ مثل ذلك في عذاب أهل النار . وقوله عز وجل : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) [ البقرة ] وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ( 48 ) [ الحجر ] وقوله : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ( 36 ) [ فاطر ] وقوله تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها ( 20 ) [ السجدة ] في موضعين من القرآن وقوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ( 56 ) [ النساء ] غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح .