ابن قيم الجوزية
618
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
أصعب منها ، وإما لتولدها عن لذات ونعم ، يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات ، وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان ، فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها ، فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام . والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك ، فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر ، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى ، كما سماه اللّه بقوله : وإن كان بكم أذى من مطر . وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف الحيوانات ، وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرئاسة ، ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها ، بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق ، كالعلم والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان ، كما قال : لولا المشقة ساد الناس كلّهم * الجود يفقر والإقدام قتّال وإذا كانت الآلام أسبابا للذّات أعظم منها وأدوم ، كان العقل يقضي باحتمالها ، وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة ، لولا تلك الآلام لفاتت ، وهذا شأن أكبر أمراض الأبدان ، فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان ما لا يعلمه إلا اللّه ، وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها ، وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى ، استبشر بها الطبيب . وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة ، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها ، وقد أحصيت فوائد الأمراض ، فزادت على مائة فائدة ، وقد حجب اللّه سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره ، وجعلها جسرا موصلا إليها ، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات ، وجعلها جسرا موصلا إليها ، ولهذا قالت العقلاء