ابن قيم الجوزية

605

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وأنه ينزّه عن خلاف ذلك ، كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص . وهذا باب عزيز من أبواب الإيمان ، فيفتحه اللّه على من يشاء من عباده ، ويحرمه من يشاء . الوجه الثاني والثلاثون : أنه كم للّه سبحانه من حكمة وحمد وأمر ونهي وقضاء وقدر ، في جعل بعض عباده فتنة لبعض ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ( 53 ) [ الأنعام ] وقال تعالى : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ( 20 ) [ الفرقان ] . فهو سبحانه جعل أولياءه فتنة لأعدائه ، وأعداءه فتنة لأوليائه ، والملوك فتنة للرعية ، والرعية فتنة لهم ، والرجال فتنة للنساء ، وهن فتنة لهم ، والأغنياء فتنة للفقراء ، والفقراء فتنة لهم ، وابتلى كلّ أحد بضد ، جعله متقابلا ، فما استقرت أقدام الأبوين على الأرض إلا وضدّهما مقابلهما ، واستمر الأمر في الذرية كذلك إلى أن يطوي اللّه الدنيا ومن عليها . وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ونعمة سابغة وحكم نافذ وأمر ونهي وتصريف دالّ على ربوبيته وإلهيته وملكه وحمده ، وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر ، في هذه الدار ، هو من كمال حكمته ومقتضى حمده التام . الوجه الثالث والثلاثون : أنه لولا هذا الابتلاء والامتحان ، لما ظهر فضل الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح ، واللّه سبحانه يحب أن يكرم أولياءه بهذه الكمالات ، ويحب ظهورها عليهم ، ليثني بها عليهم هو وملائكته ، وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور ، وإن كانت مرّة المبادي ، فلا أحلى من عواقبها . ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، وقد أجرى اللّه سبحانه حكمته بأنّ كمال الغايات تابعة