ابن قيم الجوزية

58

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الروضة ، فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين ، فالذي رآه حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين ، وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة . فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته ، وهو في بطن أمه ، واختلفت في وقت هذا التقدير ، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم . ففي حديث ابن مسعود : أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم . وحديث أنس غير مؤقت . وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما ، وفي لفظ : بأربعين ليلة ، وفي لفظ : ثنتين وأربعين ليلة ، وفي لفظ : بثلاث وأربعين ليلة ، وهو حديث تفرد به مسلم ، ولم يروه البخاري . وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين ، ولا تعارض بينهما بحمد اللّه ، وأن الملك الموكّل بالنطفة يكتب ما يقدره اللّه سبحانه ، على رأس الأربعين الأولى ، حتى يأخذ في الطور الثاني ، وهو العلقة ، وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة ، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة . ولهذا قال في حديث ابن مسعود : ثم يرسل إليه الملك ، فيؤمر بأربع كلمات ، وأما الملك الموكل بالنطفة ، فذاك راتب معها ، ينقلها بإذن اللّه من حال إلى حال ، فيقدر اللّه سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق