ابن قيم الجوزية
578
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وعلم واحد وحكمة واحدة ، أعني بالنوع ، من قادر واحد حكيم واحد بجميع هذه الأنواع وأضعافها ، مما لا تعلمه العقول البشرية ، كما قال : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) [ النحل ] . وقال : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) [ الحاقة ] فيجمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة ، هي منتهى الغايات ، وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال ، فهي غاية الغايات ، ثم ينزل منها إلى غايات أخر ، هي وسائل بالنسبة إليها ، وغايات بالنسبة إلى ما دونها ، وإنّ إلى ربّك المنتهى ، فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض ، وليس في الوجود إلا اللّه ومفعولاته ، وهي آثار أفعاله ، وأفعاله آثار صفاته وصفاته قائمة به من لوازم ذاته . والمقصود أنّ الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد ، وفعل واحد من فاعل واحد ، وقدرة واحدة من قادر واحد ، وحكمة واحدة من حكيم واحد ، بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه ، واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة ، وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية ، كما ابتدأت كلّها من خالق واحد ، وقادر واحد ، ورب واحد ، ودلّ على الأمرين ، أعني توحيد الربوبية والإلهية ، النظام الواحد ، والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها ، وتعذرها ، ودلّ افتقار بعضها إلى بعض ، وتشبّك بعضها ببعض ، ومعاونة بعضها ببعض ، وارتباطه به ، على أنه صنع فاعل واحد ، وربّ واحد ، فلو كان معه آلهة وأرباب غيره كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك أحدهم إلى مملوك غيره مثله ، لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء ، ودل انتظامها في الوجود ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها ، على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد ، هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها غيره ، ولا معبود لها سواه .