ابن قيم الجوزية
575
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة ، وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ، ليست لأحد غيرهم ، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أنّ المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ، ليستعدّ للدخول على ربه ومناجاته ، والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب ، فأيّ حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا ؟ ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إنّ تحت كل شعرة شهوة ، سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن تحت كل شعرة جنابة » « 1 » . فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة ، فيبرد حرارة الشهوة ، فتسكن النفس ، وتطمئن إلى ذكر اللّه وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه . فو اللّه لو أن أبقراط ودونه أوصوا بمثل هذا ، لخضع أتباعهم لهم فيه ، وعظّموهم عليه غاية التعظيم ، وأبدوا له من الحكم والفوائد ما قدروا عليه ، ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهمل جوارحه ، قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ ، أمر العبودية بجميع جوارحه كلها على ربه ، وتأخذ بحظها من عبوديته ، فيسلم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسه وقواه لربه عز وجل ، واقفا بين يديه مقبلا بكلّه عليه ، معرضا عمن سواه ، متنصّلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه ، ولما كان هذا طبعه وذاته ، أمر أن يجدّد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا بعد وقت ، لئلا يطول عليه الأمد ، فينسى ربه ، وينقطع عنه بالكلية ، وكانت الصلاة من أعظم نعم اللّه عليه وأفضل هداياه التي ساقها إليه ، فأبى نفاة الحكمة إلا جعلها كلفة وعناء وتعبا ، لا لحكمة ولا لمصلحة البتة إلا مجرد القهر والمشيئة ، وقد فتح ذلك الباب فسّاق الشريعة كلها من أولها إلى آخرها ، هذا المساق ، واستدلّ بما ظهر لك على ما خفي عنك ، ولعل
--> ( 1 ) ضعيف رواه أبو داود ( 248 ) وغيره عن أبي هريرة . وفيه الحارث بن وجيه : ضعيف .