ابن قيم الجوزية

561

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها ، وهي كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبلّ الثياب وخرّب بعض البيوت بالنسبة إلى مصلحة العامة . وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون ، للأمم من الهدى والإيمان الذي غمر مفسدة من هلك حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته . فكم للّه من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه ، وأكرم فيها أولياءه ، وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة ، ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته فقال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 6 ) [ إبراهيم ] فذكرهم بأيامه وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم ، وهم ينظرون ، فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت ، فإنهم صاروا إلى النعيم ، وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون ، إذا كبروا ، وسومهم له سوء العذاب ، وكان الألم الذي ذاقه الأبوان عند الذبح أيسر من الآلام التي كانوا تجرّعوها باستعباد فرعون وقومه لهم بكثير ، فحظي بذلك الآباء والأبناء . وأراد سبحانه أن يري عباده ما هو من أعظم آياته ، وهو أن يربى هذا المولود الذي ذبح فرعون ما شاء اللّه من الأولاد في طلبه ، في حجر فرعون ، وفي بيته ، وعلى فراشه ، فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية وتبصرة ، وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها ، ولم تكن لتوجد بدونها ، فإنه ممتنع ، فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح