ابن قيم الجوزية
560
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ويكرر ذلك ، فقيل له في المنام : أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة ، فإذا عصمتكم من الذنوب ، فلمن أغفر ، وعلى من أتوب ، وعمن أعفو ؟ . ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه ، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ، يوضحه : الوجه العشرون : أنه قد يترتب على خلق من يكفر به ، ويشرك به ، ويعاديه ، من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك ، فلولا كفر قوم نوح ، لما ظهرت آية الطوفان ، وبقيت يتحدث بها الناس على ممرّ الزمان ، ولولا كفر عاد ، لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ، ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ، ولولا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب ، يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة ، واهتدى من شاء اللّه ، فهلك بها من هلك عن بيّنة ، وحيّ بها من حيّ عن بينة ، وظهر بها فضل اللّه وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم . فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وإهلاك اللّه لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه . ولولا مجيء المشركين بالحدّ والحديد والعدد والشوكة يوم بدر ، لما حصلت تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلا مع عدمها . وقد بيّنا أن الوقوف على الشيء لا يوجد بدونه ، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، فلله كم عمرت قصة بدر من ربع ! أصبح آهلا بالإيمان ، وقد فتحت لأولي النّهى من باب ، وصلوا منه إلى الهدى والإيقان ، وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان ، وتلك المفسدة التي حصلت في