ابن قيم الجوزية

56

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وشر الأمور محدثاتها ، وكل ما هو آت قريب ، رواهن أبو داود في القدر . وذكر الطبراني من رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عنه ، أنه كان يجيء كل يوم خميس ، يقوم قائما ، لا يجلس ، فيقول « إنما هما اثنتان فأحسن الهدي هدي محمد ، وأصدق الحديث كتاب اللّه ، وشر الأمور محدثتها ، وكل محدث ضلالة . إن الشقي من شقي في بطن أمه ، وإن السعيد من وعظ بغيره ، ألا فلا يطولنّ عليكم الأمد ، ولا يلهينكم الأمل ، فإن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما ليس آتيا . وإن من شرار الناس بطّال النهار جيفة الليل ، وإن قتل المؤمن كفر ، وإن سبابه فسوق ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، ألا إن شر الروايا روايا الكذب ، وإنه لا يصلح من الكذب جدّ ولا هزل ، ولا أن يعد الرجل صفيّه ، ثم لا ينجزه ، ألا وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الصادق يقال له : صدق وبرّ ، وإن الكاذب يقال له : كذب وفجر . وإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول : « إن العبد ليصدق ، فيكتب عند اللّه صدّيقا ، وإنه ليكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا ، ألا هل تدرون ما العضه ؟ هي النميمة التي تفسد بين الناس » . وهذا متواتر ، عن عبد اللّه « 1 » . وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل دار ، فقال : لو حوّلناهم عن مكانهم ، فقال له أبو الدرداء : وكيف لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها ؟ ! فكأن معاوية وجد على أبي الدرداء ، فقال له كعب : يا معاوية لا تجد على أخيك ، فإن اللّه سبحانه لم يدع نفسا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا

--> ( 1 ) صحيح . رواه الطبراني ( 8522 ) عن ابن مسعود من رواية ابنه أبي عبيدة عنه ولم يسمع منه لكن تابعه أبو الأحوص ( 8518 ) كما رواه عبد الرزاق ( 20076 ) عن ابن مسعود موقوفا وأكثر ألفاظه متفرقة في أحاديث صحيحة أخرى . والحديث : ( إن العبد ليصدق . . ) رواه البخاري ( 6094 ) ، ومسلم ( 2607 ) عن ابن مسعود مرفوعا .